رأي ومقالات

إبراهيم شقلاوي يكتب: مطار ود زايد: يدخل الخدمة مارس القادم

يعود مطار ود زايد إلى الواجهة من جديد في مقاربة الدولة السودانية لإدارة الشرق، حيث تكامل التنمية والأمن، و البنية التحتية. فالمطار الذي أنشأته وحدة تنفيذ السدود ضمن المشروعات المصاحبة لمجمع سدي أعالي عطبرة وستيت، يُجسّد محاولة واعية لإعادة تشكيل الجغرافيا السياسية والاقتصادية لإقليم ظلّ محاصرًا بالعزلة والهشاشة وضعف البنيات.

إعلان سلطة الطيران المدني أمس موافقتها على تشغيل مطار ود زايد الدولي خلال الربع الأول من عام 2026، مع بدء التوسعات واستكمال القاعات، لا يمكن قراءته بمعزل عن السياق التنموي والسياسي للمنطقة.

فالمطار ، يشكل الحزام التنموي لشرق السودان، بالقرب من مدينة الشواك بولاية القضارف، ويمتد على مساحة 400 فدان ضمن نطاق غابة الفيل، بنسبة اقتطاع محدودة وازنة بين متطلبات التنمية والمحافظة على البيئة.

اختيار الموقع وإجازته الفنية، تمّ في إطار التنسيق بين وحدة تنفيذ السدود وسلطة الطيران المدني في وقت سابق، ما يعكس روية مستقبلية من التخطيط التنموي الذي ساد مشاريع البنية التحتية الكبرى في السودان التي نفذتها الوحدة خلال العقدين الماضيين. شهد أول هبوط للطيران فيه منتصف العام 2011 حيث أقلت الطائرة وفد الوحدة و الشركات.
تنمويًا يمثل المطار أداة ربط حيوية بين مشروعات الزراعة والثروة الحيوانية في ولايتي القضارف وكسلا، وبين الأسواق القومية والإقليمية. قربه من سوق الشواك، أحد أكبر أسواق الماشية في البلاد، يمنحه قيمة مضافة في دعم صادر الثروة الحيوانية، وتقليص كلفة النقل، ورفع تنافسية المنتج السوداني. كما يفتح وجود منفذ جوي في هذه المنطقة الباب أمام استثمارات واعدة، ويُسهّل انتقال الكوادر الفنية والإدارية، وهو عنصر حاسم في مناطق عانت تاريخيًا من العزلة وضعف الخدمات.

سياسيًا يسهم دمج مطار ود زايد في شبكة النقل الجوي الوطنية في معالجة واحدة من أعقد إشكاليات الدولة السودانية، وهي العلاقة المختلّة بين المركز والأطراف. فإعادة ربط الشرق بالمجال القومي لا تتم فقط عبر الخطاب، بل عبر بنية تحتية محسوسة تقلّص الشعور بالتهميش الجغرافي الذي غذّى الاحتجاجات والنزاعات في مراحل سابقة. حضور المطار إلى جانب السدود والطرق، يعزّز حضور مؤسسات الدولة المدنية والأمنية، ويعيد تعريف مفهوم السيادة بوصفه قدرة على الخدمة والحماية.

أمنيا فالموقع الجغرافي القريب من الحدود الإثيوبية الإرترية يضع المطار في قلب معادلة النفوذ في شرق السودان، وربما القرن الإفريقي حيث ظل الفراغ الجوي والبري أحد مصادر الضعف البنيوي للدولة. امتلاك نقطة ارتكاز جوية في هذا الموضع يعزّز قدرة السودان على بسط سيطرته الجوية على مجاله الشرقي، ويدعم مهام الاستطلاع والتحرك السريع، ويمنح الدولة هامش مناورة أوسع في إدارة حدود مفتوحة طالما مثّلت تحديًا أمنيًا واقتصاديًا. بهذا المعنى، يبعث المطار برسالة سيادية، مفادها أن الشرق لم يعد ساحة رخوة، بل مجالًا خاضعًا لإدارة الدولة وحساباتها.

وفي سياق ما بعد النزاع، يمكن قراءة المطار كجزء من منطق “إعادة الإعمار” ، حيث تتكامل البنية التحتية مع إعادة إنتاج الاستقرار. فاختصار زمن الوصول إلى مناطق المشروعات، وتسهيل نشر برامج التنمية، وتهيئة بيئة جاذبة للمنح والقروض التنموية، كلها وظائف تتجاوز الاقتصاد إلى السياسة، لأنها تعيد تعريف الدولة بوصفها فاعلًا حاضرًا لا غائبًا.

هذا المطار الذي بدأ مهبطًا ترابيًا يُعرف بـمطار الشوك، ثم حمل لاحقًا اسم ود زايد وفاءً للناظر محمود عيسى ود زايد (1821–1896م)، الملقب بشحم البل الدرر، من مواليد قرية شربوب غرب نهر عطبرة، تولى النظارة في العهد التركي خلفًا لأخيه عدلان، واشتهر في السودان بالكرم والشجاعة وقيادة الجيوش، وإطعام الناس واغاثتهم في الملمات.

ولا يمكن فهم قصة المطار دون العودة إلى السياق الأوسع لمجمع سدي أعالي عطبرة وستيت. هذا المشروع، الذي تعود جذور فكرته إلى ما بعد إنشاء خزان خشم القربة وإعادة توطين متأثري حلفا، واجه عقودًا من التعثر بحثًا عن التمويل، قبل أن تتبلور إرادته التنفيذية بين عامي 2007 و2009 عبر تحديث الدراسات والتصاميم. تم التمويل من الكويت، والصناديق العربية، والصين، والجزائر، إلى جانب مساهمة حكومة السودان شكل المشروع أهمية استراتيجية في الأمن المائي والغذائي.

السدّان ببحيرتهما المشتركة وسعتهما التخزينية التي تتجاوز 3.7 مليار متر مكعب وانتاج كهرباء 450 ميقاواط ، كانا إعادة صياغة كاملة للمجال الاقتصادي والاجتماعي في الإقليم، في جانب الكهرباء وتوفير مياه الري والشرب، وتخفيف الإطماء عن خزان خشم القربة، وزيادة الثروة السمكية.

هكذا بحسب #وجه_الحقيقة، تمثل قصة مطار ود زايد مشروعًا وطنيًا صاغته سواعد العاملين وتضحيات المجتمعات المحلية، لكنه يطرح سؤالًا سياسيًا مهمآ :هل تنجح الدولة في تحويل هذه البنية التحتية إلى رافعة للاستقرار والتنمية المتوازنة؟ وبين هذا السؤال وضغوط الواقع، يظل المطار شاهدًا على عظمة تخطيط تنموي هزمته المؤامرة والخذلان، فأنجب قوة اقتصادية وسيطرة جوية باتت ضمانة لوحدة الدولة و مستقبلها.

إبراهيم شقلاوي
دمتم بخير وعافية.
الأربعاء 21 يناير 2026 م Shglawi55@gmail.com