رأي ومقالات

إبراهيم شقلاوي يكتب: الحياد المستحمر

تحولت الحرب السودانية منذ اندلاعها في أبريل 2023 من صراع عسكري بين مؤسسة الدولة ومليشيا متمردة إلى أزمة سياسية شاملة، أعادت تعريف معايير الأخلاق السياسية، ووضعت النخب أمام اختبار تاريخي : إما الانحياز للدولة بوصفها الإطار الجامع للسيادة الوطنية، أو السقوط، وعيًا أو مصلحة، في مسارات تفكيك الداخل وتقويض القرار الوطني تحت لافتات محايدة ظاهريًا ومُسيّسة عمليًا.

في هذا السياق، يسعى هذا المقال إلى قراءة المشهد في ضوء التحولات الميدانية الأخيرة، لا سيما في ولايات كردفان، عبر تحليل دلالات انتصارات القوات المسلحة في معاركها ضد التمرد، وما أفرزته هذه التحولات من مواقف سياسية كشفت هشاشة خطاب بعض القوى السياسية ، التي وجدت نفسها، بوعي أو دون وعي، في مواجهة مباشرة مع إرادة الدولة وخيارات الشعب.

فك حصار الدلنج انتصار ميداني شكّل كسرًا لرهان استراتيجي طويل استهدف تفكيك الدولة من هوامشها، واستنزاف الجيش، ودفع المجتمعات المحلية إلى القبول بالمليشيا كأمر واقع. ومع هذا التحول، بدأ ميزان الصراع يميل بوضوح لصالح المؤسسة العسكرية، بوصفها صمام أمان السيادة الوطنية، والدرع الأخير لوحدة البلاد وتماسكها الاجتماعي.

في المقابل، جاء تحرك تحالف “صمود”، الامتداد السياسي لتحالف قوى الحرية والتغيير برئاسة الدكتور عبد الله حمدوك، باتجاه منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، مطالبًا بتشكيل لجنة تحقيق دولية ضد القوات المسلحة السودانية. ورغم خطورة الاتهامات المطروحة، فإن توقيتها وسياقها السياسي يفتحان باب التساؤل المشروع حول دوافعها الحقيقية، خاصة أنها تزامنت مع انكسارات ميدانية واضحة لمليشيا الدعم السريع وحلفائها.

المسألة هنا لا تتعلق برفض مبدأ التحقيق أو المساءلة القانونية، فذلك حق أصيل في أي دولة تسعى لترسيخ سيادة القانون، وإنما تتصل بالسياق السياسي الذي تُوظَّف فيه هذه المطالب، وبالفاعل الذي يتقدم بخطاب حيادي في الشكل، بينما يقف في الممارسة السياسية ضد المؤسسة التي تتحمل عبء حماية الدولة في لحظة تهديد وجودي. فالحياد، وفق المعايير السياسية الراسخة، لا يعني المساواة بين الدولة ومن ينازعها السلاح خارج إطار الشرعية، ولا يبرر تعليق الانتماء الوطني عند أول خلاف سياسي.

ويكتسب هذا الجدل بعدًا إضافيًا في ظل توصيف منظمات حقوقية وصحافة بريطانية و مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، فولكر تورك، للحرب في السودان بأنها حرب “تُخاض بالوكالة طمعًا في الموارد الطبيعية”. هذا التوصيف لا يجعل من الصراع شأنًا داخليًا ، بل يضع كل موقف سياسي في ميزان أخلاقي ، حيث يصبح الانحياز أو الحياد فعلًا سياسيًا محسوب الأثر، لا مجرد خطاب مُجرّد أو شعارات حقوقية معزولة عن الواقع.

من هذه الزاوية، يتحول ما يُقدَّم بوصفه حيادًا إلى ما يمكن توصيفه بـ”الحياد المستحمر”، حياد يفقد معناه الأخلاقي حين يتحول إلى أداة قابلة للاستخدام من قبل أطراف خارجية تسعى للنفوذ والسيطرة على الموارد، بينما يضعف الدولة من الداخل ويشوّه صورتها أمام المجتمع الدولي.

فالأخلاق السياسية لا تُقاس بالنوايا ، بل بالنتائج والتأثيرات، وبمدى خدمة الموقف لمصلحة الدولة في لحظة الخطر الوجودي.

التطورات الميدانية في جنوب كردفان والنيل الأزرق أكدت هشاشة تحالفات المليشيا المدعومة إقليميًا، مع تزايد الانقسامات الداخلية وتبادل الاتهامات بين قادتها عقب الهزائم المتكررة. هذا الواقع يعكس فشل الرهانات الإقليمية على أدوات غير وطنية لإعادة تشكيل موازين القوة، ويكشف أن التدويل السياسي للاتهامات في توقيت استعادة الجيش السيطرة على الأراض ليس سوى محاولة لتعويض الخسائر الميدانية عبر الساحة الدولية.

الواقع الإقليمي بدوره زاد المشهد تعقيدًا، مع تقارير أشارت إلى استخدام أراضي دول الجوار لتسهيل تحركات المليشيا وتقديم إسناد لوجستي لها، في إطار حرب استنزاف ضد الدولة. ومع ذلك، أثبتت المؤسسة العسكرية تماسكها، ونجحت في استعادة خطوط الإمداد وفرض السيطرة على مناطق استراتيجية، مع بذل جهد ملحوظ لحماية المدنيين، ما أكسبها دعمًا شعبيًا واسعًا جعل أي محاولة لمعادلة الموقف عبر الخارج تصطدم مباشرة بالإرادة الشعبية.

التاريخ السياسي الحديث في العراق وليبيا واليمن يقدم دروسًا قاسية لا تحتمل التأويل: القوى التي راهنت على الخارج ضد جيوش بلدانها في لحظات وجودية لم تحصد شرعية، ولم تنجح في بناء دولة، بل أسهمت في تفكيكها، قبل أن تُترك معزولة بعد انتهاء دورها الوظيفي.

التجربة السودانية اليوم تؤكد أن بقاء الدولة أولوية أخلاقية وسياسية تسبق أي حسابات حزبية أو شخصية، وأن النقد والمساءلة، مهما كانت مشروعة، يجب أن تُمارس من داخل الإطار الوطني، وبعد انقشاع الخطر، لا عبر أدوات خارجية تُستغل لتقويض الدولة في ذروة تهديدها.

ما بين فك حصار الدلنج وتصاعد حملات الإدانة الدولية، تتكشف معركة من نوع آخر: معركة على سردية الحرب، وعلى الشرعية، وعلى معنى الحياد . فالجيش، في تقدمه الميداني واستعادته لمناطقه الاستراتيجية، لا يقاتل فقط من أجل الأرض، بل من أجل بقاء الدولة، في مواجهة قوى راهنت على الخارج لإضعافها وتفكيكها.

ومن يختار، وعيًا أو جهلًا، أن يطعن مؤسسة بلاده العسكرية أمام الخارج في لحظة حرب بالوكالة، لا يقف في موقع حياد، بل في موقع انحياز سياسي فاقد للمشروعية الأخلاقية، مهما تستر خلف خطاب حقوقي.

فالشعب، في لحظات الخطر، لا يلتبس عليه موقع الدولة، ولا يخطئ بوصلته حين يرى في الجيش خط الدفاع الأخير عن الكيان الوطني.

في النهاية، ووفق #وجه_الحقيقة ، يظل “الحياد المستحمر” ليس مجرد توصيف سياسي، بل رمزًا لرهانات خاطئة، ولخطر أن تتحول المظلومية السياسية إلى أداة لهدم الدولة في أوج معركتها الوجودية، بينما الشعب يقف مع جيشه، والتاريخ يراقب… ولا يرحم.
إبراهيم شقلاوي
الخميس 29 يناير 2026 Shglawi55@gmail.com