عندما يكون الطب أمانة قبل المهنة

ابنتي الكُبْرى -وهي من ذوي الهِمم- تلازمُ الكرسيَّ المتحرِّكَ، بشكلٍ دائمٍ في حلِّها وترحالِها، وللهِ الحمدُ والمِنَّةُ، وهي -بفضلِ اللهِ تعَالَى- حاصلةٌ على شهادةِ الماجستير من إحدى جامعات أمريكا، وكانت متفوِّقةً جدًّا طوالَ مراحل الدِّراسة؛ في تحدٍّ كبيرٍ لإعاقتِها، وتحقيق نجاحاتِها الدَّراسيَّة والعلميَّة في كلِّ مرحلة..وفي زيارتنا السِّياحيَّة إلى جمهوريَّة مصر العربيَّة الحبيبة، في شهر أبريل الماضي وتحديدًا في القاهرة، وبناءً على توصيةٍ من إحدى صديقاتِها أنَّ هناك طبيبًا متخصِّصًا في العظامِ، وشاطرًا في مهنتِهِ، وأعطتها اسمَهُ وعنوانه، وبالفعل تمَّ التَّواصل مع العيادة، وحجز موعدٍ مع الطَّبيب شخصيًّا، وحضرنا، ودفعنا قيمةَ الكشفِ 1200 جنيهٍ مصريٍّ، وانتظرنا في الاستقبال، وكان مليئًا بالمراجعِينَ..
ودارَ الحديثُ بيني وبينَ أحد المرضى، وأشاد بالطَّبيب وخبرتهِ الطبيَّة وأمانتهِ، وجاء موعدُنا ودخلنا، ومعنا تقريرٌ طبيٌّ كاملٌ بحالةِ ابنتي، وقرأ التَّقرير، وكشف على ابنتِي كشفًا مبدئيًّا، ومِن ثمَّ قال لنا: “إنَّ هذه الحالة ليست من تخصُّصي الطبيِّ، وإنَّما أنا متخصِّصٌ في علاج الرُّكبة، وآلام الظَّهر فقط”..وإذا به يكلِّم السكرتاريَّة لديه، بأنْ يردُّوا لنا قيمةَ الكشفِ، وفعلًا تمَّ ذلك، وودَّعنا بكلِّ حُبٍّ وتقديرٍ، إنَّه الدكتورُ المحترمُ الاستشاريُّ الذي يعلمُ أنَّ الطبَّ أمانةٌ، وليس استغلالًا للمرضَى.. فألفُ تحيَّةٍ خاصَّة للدكتورِ، وفعلًا تحيَا مصرُ.
وذكَّرني الموقفُ بموقفٍ للصديق والجار الإعلاميِّ الدكتور محمد خضر الشريف، حيث حكى لي أنَّه سقط ذاتَ يومٍ في الحمَّام على جنبه في سنِّ “البانيو”، وشعر بألمٍ شديدٍ، وفي المستشفى تمَّ الكشفُ وعمل الأشعَّات، وبلَّغه الطبيبُ الهنديُّ أنَّه ما في شيءٍ، فقط دفِّئ نفسَك ولا تتعرَّض لمكيفٍ، ولا مروحةٍ، وأعطاه العلاج اللَّازم، يقول الصديقُ خضر: قلتُ أطمئنُ فذهبتُ لمستشفى آخرَ، وقطعتُ كشفيَّةً عند طبيبٍ استشاريٍّ مصريٍّ، رآني وشرحتُ له قال: ما فيكَ أيُّ شيءٍ رُوح واسترجعْ ثمنَ الكشفِ، والعلاجُ تمام، وهو المناسبُ لكَ، قلتُ له: ما دمتُ حضرتُ ودخلتُ العيادة، ففضلًا اكشف عليَّ وطمنِّي يا دكتور. قال: اطلعْ على السريرِ، وكشفَ عليَّ فعلًا، وقال: مَا فيكَ أيُّ شيءٍ، وأيضًا استرجع ثمنَ الكشفِ وروِّح على بيتكِ ومعَ السَّلامة.وفي النهاية أقولُ: لا يزالُ الخيرُ في أُمَّة سيدِنَا محمَّدٍ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- والطبُّ بالذَّاتِ أمانةٌ قبلَ أنْ يكونَ مهنةً.
عميد متقاعد/ فيصل شاكر الحازمي الحربي – جريدة المدينة







