إهداء النصر في ذكرى النصر

يوم الأثنين 26 يناير 2026م تم فك حصار مدينة الدلنج الاستراتيجية بولاية جنوب كردفان بعد معارك ضارية خاضتها قواتنا المسلحة والقوات المساندة لها ضد المليشيا الإرهابية وحليفتها الحركة الشعبية بقيادة عبدالعزيز الحلو ، والتي كانت تفرض حصاراً قاتلاً استمر لعامين علي المدينة.. عامان والمليشيا المتمردة تشن هجمات متواصلة بالمدفعية والمسيرات على المدينة وأهلها وتمنع دخول المساعدات الإنسانية للمواطنين وتستهدف كل المرافق الحيوية بالقصف والهدم.
دخل الجيش منتصراً بعد ما سيطر على (هبيلا) التي تقع علي بعد 42 كيلومتر جنوب شرق المدينة وتربط بين مدينتي الدلنج وكادوقلي، إلى جانب تمشيط وتأمين مناطق كرتالا و كلوجي والتيتل شرق مدينة الدلنج.
الجيش ألحق خسائر فادحة بالمليشيا وإعوانها في الأرواح والعتاد وفر البقية هاربين مهزومين يجرون أذيال العار والهزيمة.
استبسال أبطال الفرقة الرابعة مشاة الذين خاضوا والقوات المساندة لهم سلسلة من المعارك الطاحنة واشتباكات عنيفة ببسالة وشجاعة فائقة ، رسم صورة مشرفة ناصعة تضاف إلى سفر الشرف والانتصارات لقواتنا المسلحة الباسلة.
القوات المسلحة أهدت هذا النصر العظيم للشعب السوداني في ذكرى عزيزة علي السودانيين، هي ذكرى تحرير الخرطوم في 26 يناير 1885م والذي عدَّه المؤرخون ذكرى الاستقلال الأول للسودان والذي صنعه رجال عظماء أوفياء، وجاء انتصار الجيش متزامنا مع ذكرى خالدة تضئ تاريخ بلادنا ، واستقبلت كالمعتاد بفرح المواطنين الذين خرجوا فرحين مستبشرين بانتصارات القوات المسلحة، فدخول القوات المسلحة لأي مدينة يعني عودة الحياة والأمن والاستقرار .
علي الصعيد الميداني فك الحصار عن الدلنج يفتح الطريق لوصول المساعدات الإنسانية للمدنيين العالقين هناك وفي المناطق المجاورة لها التي كانت تنتشر فيها المليشيا، ويشكل سيطرة القوات المسلحة علي تلك المناطق تعزيزاً لبسط الأمن والأمان للمواطنين الذين عانوا من بطش المليشيا المجرمة، وتدهور الخدمات الصحية وشح الأدوية وقلة المواد الغذائية وانقطاع خدمات المياه والكهرباء والاتصالات بسبب الحصار الذي كانت تفرضة المليشيا، لم يكن وقتها للمواطن أي خيار إما الموت جوعاً أو تحت قصف المدافع .
ما حدث لبلادنا بفعل الحرب هو مأساة تتكرر كل يوم بين نزوح ولجؤ وجوع وانقطاع خدمات أساسية شكل معاناة لم تترك جانبا من حياة السودانيين إلا وزرعت فيه الألم والمعانأة، ولم تترك المليشيا جريمة إلا وارتكبتها في حق الشعب السوداني، ثلاث سنوات من الحرب المستمرة والعنف اللا محدود والمعاناة القاسية وسلسلة من الجرائم البشعة ، والعالم يكتفي بالشجب والادانة وإبداء القلق ، وفي أحسن الأحوال ترفع التقارير الدولية دون أي مردود فاعل علي أرض الواقع ، وحشية الحرب لا تعرف حدوداً والموت لا ينتظر .
مر ألف يوم علي الحرب – تقريبا – أي ما يقارب نصف مدة الحرب العالمية الثانية، لذلك دعا يانس لاركيه المتحدث باسم (الاوتشا) إلى وضع خطة عاجلة تهدف لمساعدة 20 مليون شخص من أصل 34 مليون شخص يعتقد أنهم بحاجة ماسة وسريعة للدعم الانساني في السودان، مما يعني وقف فوري لاعتداءات وجرائم المليشيا تجاه المدنيين وفتح ممرات للمساعدات الإنسانية، وحماية قوافل المساعدات الإنسانية من اعتدءات المليشيا عليها بالسرقة والنهب وقتل عمال الاغاثة !!! وكذلك وقف للاعتداءات علي المدنيين ، وبالتالي وقف دعم المليشيا بالسلاح والعتاد والمرتزقة وتصنيفها جماعة ارهابية لتحاكم وفقا للقانون ، هكذا الإجراءات مترابطة ومتسلسلة بعضها البعض والمجتمع الدولي وآلياته الدولية والعدلية تعرف ذلك لكن كلهم صامتين!!
من جانب آخر و نظراً لأن تاريخ السودان الطويل من الحروب والنزاعات والعنف والنزوح الجماعي جعل استجابة العالم لأزماته محصورة في الأطر الإنسانية فقط كتقديم المساعدات الإنسانية والغذائية والأدوية والحث الدبلوماسي علي وقف الحرب و سلك طريق المفاضات ووقف إطلاق النار و برمجة الهدن وعقد اتفاقيات السلام بمختلف أنواعها وبنودها ،، فيتوقف النزاع لفترة ثم تعود رحى الحرب مرة أخرى وهكذا ،، لكن الحرب المستعرة الآن تختلف عما كان عليه الوضع سابقا، لأن تأثيرات ومردود هذة الحرب ينعكس علي العالم أجمع بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، اقتصاديا وعسكريا وسياسيا على المدى القريب والبعيد ، لذلك لابد للاستراتيجية العالمية التي تحلل وتراقب الوضع في السودان أن تنتهج رؤية سياسة للتعامل مع هذة الحرب بصورة مختلفة قادرة علي كبح الإرهاب في أبشع صوره وهو (الارهاب برعاية دولية) بغرض تحقيق أهداف سياسية أو اقتصادية تبدأ بزعزعة استقرار الدولة وادخالها في دوامة الحرب واستنزاف مواردها ونهب ثرواتها واستهداف حياة المدنيين وممتلكاتهم و تخريب البني التحتية والحيوية في الدولة، كلها حلقات متصلة تشكل انتهاك للقانون الدولي، مما يستوجب وضع تدابير قانونية دولية توقف تمويل العمليات الإرهابية والجرائم الدولية ضد المدنيين ، وتمنع تدفق الأسلحة والمرتزقة للمليشيا، بل تمتد يد القانون الدولي نحو حسم الشبكات الدولية التي تتبناها وتمولها (دويلة الشر) لدعم المليشيا المتمردة واستمرار الحرب في السودان ، هذا هو المخرج الأساسي لوقف الحرب فعلا علي أرض الواقع واجتثاث التمرد من جذوره والقضاء علي كل الظواهر التي صاحبته والخارجة عن الشرعية الدولية ووحدة الدولة السودانية، ثم ننتقل بعد ذلك لمرحلة تفاوضية لوضع حلول سياسية سلمية شاملة ،، فالسلام لن يكون مستداماً إلا بالقضاء على المليشيا وإنهاء أي تمرد، و على المجتمع الدولي أن يكون جاداً في دعم الحكومة السودانية لعبور هذة الأزمة وتجاوز مرارات الحرب والمشاركة في إعادة إعمار الدولة من جديد ، غير ذلك لن يكون هناك سلام مستدام وسيكون مجرد تغريد خارج السرب .
د.إيناس محمد أحمد






