ماذا يحدث للسودانيين في مصر؟

ماذا يحدث للسودانيين في مصر؟
سؤال يتردد كثيراً هذه الأيام، ولذلك قررت أن أبحث عن إجابته بالمشاهدة لا بالسماع، وبالطريق الواصل لا بمواقع التواصل. جولة طويلة قادتني عبر فيصل وحدائق الأهرام والدقي والمعادي والمهندسين ومدينة نصر والنزهة، وحتى التجمع ومدينتي، مستخدماً الميكروباص أحياناً، والمترو أحياناً أخرى؛ وهي مناطق يعرف الجميع أنها تضم الكثافة الأكبر من الوجود السوداني في القاهرة.
خلاصة المشهد، كما رأيته بعيني لا كما يُروى، لا وجود لحملات منظمة تستهدف السودانيين تحديداً، ولا مشاهد مطاردة أو اقتحام أو فرز على أساس الجنسية. ما هو قائم، ببساطة، لجان وارتكازات أمنية تتعامل مع الجميع دون تمييز، وبقدر ملحوظ من الاحترام، خصوصاً حين تكون الأوراق سليمة، وهو أمر مألوف في مصر، لا سيما خلال شهر يناير، حيث ذكرى الثورة وعيد الشرطة، تزداد فيه الإجراءات الاحترازية بطبيعتها.
في مطلع كل عام، تشدد الدولة إجراءاتها الإدارية، وتُرسل رسائل واضحة على الهواتف بضرورة مراجعة مراكز الخدمات لتحديث بيانات شرائح الاتصال وخدمات الإنترنت، وربطها بالإقامة القانونية، وهي إجراءات عامة، لا تخص السودانيين وحدهم، ولا تحمل في جوهرها أي استهداف.
الحديث المتداول عن اقتحام شقق، أو مداهمة مطاعم، أو تفتيش عشوائي للسودانيين، بصورة متكررة، خصوصاً في ساعات الليل المتأخرة، لا يوجد ما يسنده على أرض الواقع. نعم، ثمة حالات نادرة لأسباب أمنية، قد يتم فحص الهويات، وأحياناً لا يتوقف رجال الأمن كثيراً عند الإقامات المنتهية أو كروت المفوضية، وغالباً ما يرتبط الأمر بالمظهر العام أو الحالة الفردية، لا بالجنسية، لكنه ينتهي بالنداء المألوف: اتفضل يا زول.
ما يثير الاستغراب حقاً، هو اندفاع بعض الكُتّاب والصحفيين إلى الإساءة لأهلهم وإخوانهم الذين دفعتهم الظروف القاسية إلى السفر أو النزوح إلى القاهرة؛ تلك الجارة الأقرب إلينا مودةً وجغرافيا، ووصمهم بما لا يليق.. السودانيون في مصر جالية محترمة، تضم أرقى وأفضل الأسر، أما أصحاب البازارات أو السلوكيات الشاذة– وهم قلة محدودة – وموجودة في كل بلدان العالم، فلكل فعل حسابه، ولا تزر وازرة وزر أخرى.
السواد الأعظم من السودانيين هنا، وجودهم مرتبط بأسباب موضوعية: دراسة، علاج، أو ظروف أسرية تتصل بالمغتربين في الخليج، أو تقديرات خاصة فرضتها الحرب في ولايات غير مستقرة، مثل دارفور وكردفان.
البقاء في السودان، أو السفر إلى أي مكان آخر، لا يمنح أحداً صك شجاعة ولا وسام تضحية يبيح له الإساءة للآخرين أو تشويه سمعتهم، أو الانخراط في حملات جلد الذات الرخيصة.
ما يجري تداوله أحياناً ليس سوى محاولة بائسة لتحقير السودانيين، وتعميم الشر، وصناعة انطباعات زائفة تخدم أغراضاً سياسية وأخرى شخصية، لا تخلو من الغرض والابتذال، بعض الكتاب يسهل معرفة دوافعهم، لكنها في النهاية حملات مكشوفة، ومردودة على أصحابها.
بحسب ما أعلم، فإن غالبية السودانيين في جمهورية مصر الشقيقة يخططون للعودة بعد شهر رمضان، مع نهاية العام الدراسي، أو بعد استكمال ترتيبات صحية وأسرية مؤقتة، وأتمنى أن تضع السلطات المصرية، حساسية الأمر، مع التعامل بجدية مع الشكاوى في الإعتبار، وتمنح أصحاب المخالفات فترة سماح لتوفيق الأوضاع، وأن تسأنف أيضاً منظومة الصناعات الدفاعية السودانية رحلات العودة الطوعية بالقطار والبصات.
ومع ذلك، أؤكد – دون تردد – أنني من دعاة العودة الطوعية، ومن أشد المؤمنين بالمشاركة في إعادة الإعمار، وأدرك يقيناً أنه مهما تنوعت المغريات، فلا بديل للوطن، ولا شيء أغلى من الديار.

عزمي عبد الرازق






