حرب الإخوة

رن الهاتف الأرضي في مكتبي بالمجلس الأعلي للسلام ليعرفني المتصل بأن إسمه (ود الصايم) و هو ضابط متقاعد و دفعة العميد أروك طون و ترك رقم هاتفه، و عندما أخبرت أروك فرح فرحاً شديداً و إتصل به علي الفور ليحضر و تدور بينهما أحاديث الزمالة و معارك القوات المسلحة ضد الحركة الشعبية.
خلاصة الأنس أن قوة من الحركة الشعبية بقيادة أروك حاصرت واحدة من المدن و حرك الجيش قوة بقيادة ود الصايم و كلفت بفك الحصار و دارت المعارك ببن الطرفين نهاراً لتهدأ ليلا .
تمكن قائد قوة الجيش ود الصايم من إختراق إتصالات القوة المعادية ليكتشف أن قائدها هو زميله أروك طون.
طفق القائدان في أحاديث أنس تنتهي بأن كليهما يتوعد الآخر بالهزيمة.
قلت لأروك و ود الصايم أن هذا الأنس يستحق أن يسمعه الشعب السوداني و من فوري إتصلت بالأستاذ حسن فضل المولي نائب مدير التلفزيون حينها الذي رحب بالفكرة و تم تحديد حلقة في برنامج (من الخرطوم سلام) .
في اليوم المحدد تم تكليف أروك طون برحلة إلي نيالا لشرح اتفاقية السلام و رفض رئيس المجلس محمد الأمين خليفة بشدة أن يعفي أروك من المهمة.
أخبرت الأستاذ حسن فضل المولي و أكد لي ألا حل إلا أن أبحث له عن (واحد من المتمردين بتاعينك)
فشلت كل المحاولات و كادت المواعيد أن تحل فإقترحت علي الأستاذ حسن فضل المولي أن نؤدي الحلقة أنا و زوجتي الدكتورة سلوي حسن صديق لنتحدث عن زوجين في مهنة واحدة.
حكينا في الحلقة أننا وجدنا أنفسنا عطالي و بلا دخل عندما تولي الرئيس البشير الحكم
إختلقنا حيلة أن نسجل زيارات للأهل قبيل الغداء و نجد وجبة و شاي عند المغرب ليكون بمثابة العشاء ، كنا نذهب و نحن نحمل كيسا من الموز لأنه أقل الفواكه سعراً .
شاهد الرئيس البشير الحلقة و لصلة القرابة التي تجمعه بزوجتي كان يقول للأهل ضاحكاً (أحسن حاجة عملناها عند التغيير أن راشد و سلوي أصبحوا عاطلين عن العمل).
كان أروك طون مشبعاً بروح السلام و شديد الإيمان به .
في حلقة حوارية في قناة الجزيرة في برنامج فيصل القاسم (الاتجاه المعاكس) مع ياسر عرمان حاول عرمان أن يستفزه و قال له (أن الجيش قتل شقيقك) فرد أروك (و نحن أيضا قتلت قواتنا شقيق الرئيس البشير و شقيق الدكتور حسن الترابي لهذا جئنا ننشد السلام لتوقف القتل من الجانبين و ليعيش شعبنا في أمان)
كنت مرافقا لأروك في هذه الرحلة و الذي إشترط علي القناة أن تشملني الدعوة.
في الطائرة كان حظنا أن يكون قائدها كابتن شيخ الدين محمد عبد الله رحمة الله عليه الذي دعانا لمتابعة الرحلة من الكابينة جلس أروك جوار النافذة و الطائرة فوق الصحراء إندهش أروك لإتساع الأرض و خلوها من الحياة فقال لي (لو تمردنا في مثل هذه الأرض لما تعبت معنا الحكومة و كان يكفيها أن تحيطنا بسلك شائك و ينتهي الأمر) .
تلمست في الدوحة المحبة الكبيرة التي يكنها السودانيون لأروك طون أروك والذين شملونا بدعوات عديدة للغداء و العشاء و كنا نجد الهدايا القيمة التي خصونا بها في الفندق ، كنا قد وصلنا الدوحة بحقيبتين لنعود منها بسبع حقائب محملة بالعطور و الملابس و لم ينسوا كذلك دفع قيمة ترحيلها معنا بالطائرة و لتكون صحبتنا عند العودة.
هذه المحبة التي تمتع بها العميد أروك طون من السودانيين و لحصافة عقله و سعة علاقاته و حكمته كان مرشحاً لتولي منصب نائب رئيس الجمهورية الذي يخصص حينها لواحد من القيادات من أبناء الجنوب و لكنه كان أعجل في الرحيل و ذهب إلي ربه مع كوكبة من الشهداء
راشد عبد الرحيم.




