أيهما أفضل الطب أم الهندسة؟

تدور هذه الأيام مباراة مزاح وتسلية بين أهل الطب والهندسة عن أيهما أفضل. وحتي لا تفوتني هذه الشمطة فقد قررت أن أدلي بدلوي في سؤال ما هي أفضل المهن للبشرية ويمكنك الإضافة في التعليق:
– – تعترف الثقافة السودانية باهمية الطب والهندسة كمصدرين لبرستيج لا حد له. وتقول الأغاني أن “الدكاترة ولادة الهنا”، وتقول “ناري ناري، ناري نا، المهندس جا ورسم البنا”. ولا أعرف عن ذكر للإقتصاد إلا قريبنا الذي ساأته عمته عن أي كلية تم قبوله فيها. فقال أقتصاد الخرطوم، فقالت لهو “ديل الناس البيجونا في الرادي يقولو لينا كبو زيت شوية في الحلة”؟. وفي نسختها المحدثة قال المؤسس ما تشربو شاي في الضفة الأخري من نهر الخرطوم. المهم، ما علينا. ندخل في الموضوع.
ما هي أفضل المهن للبشرية ؟
– الطب: لما الجيوب الأنفية تقوم عليك أو تحتاج إلى تشخيص أو علاج أو جراحة.
– الهندسة: عندما ترغب في دخول الأنترنت أو تسخين العربية.
– التدريس: عندما يكون لديك أطفال وتريد تربيتهم تربية سليمة.
– التمويل: عندما يكون لديك مال وتريد استثماره وتنميته.
– الفران: واضحة دي.
– الموسيقى: عندما تريد الاسترخاء والتأمل والاستمتاع.
– السباكة: عندما يكون حوض المطبخ أو الحمام مسدودًا.
– الشعر: لو كان حنكك بيش وداير تحب.
– التمريض: عندما تخضع لعملية جراحية وتحتاج إلى رعاية ما بعد الجراحة.
– الاقتصاد: عندما تريد تجنب أخطاء حوكمة جسيمة ومدمرة اجتماعيًا.
– النقاشة: عندما تريد تجديد منزلك وطلائه.
– بتاع الطبلية: عندما تحتاج إلى سيجارة في منتصف الليل.
– أبو لهب: عندما تحتاج لنار للشيشة وانت في المقهي.
– سواق الركشة : عندما تريد أمك المسنة زيارة أختها.
– الطبيخ: عندما تشعر بالجوع خارج المنزل.
– ست الشاي: عندما تريد الونسة مع الأصدقاء ولا تملك ما يكفي لأوزون.
– الزراعة وتربية الماشية: عندما تريد طعامًا جيدًا لتأكله أو محاصيل نقدية لتصديرها.
– الكوميديا: عندما تشعر بالحزن، وتحتاج إلى من يذكرك بأن الحياة سخيفة. أو عندما تريد إعلان من تروس عن جودة الملابس الداخلية في سوق سعد قشرة.
– عمال البناء: عندما تقرر بناء منزلك أو تحسينه.
– الفلسفة: عندما تستيقظ في الثالثة صباحًا وتحتاج إلى من يشرح لك سبب وجودك، وأين أختفت شراباتك.
– مربو النحل: عندما تشتهي العسل وشيئًا حلوًا.
– اللغات: عندما تريد أن تعرف ماذا يقول الأحباش أو الفرنجة عنا.
– فراش الكتب: عندما تحتاج أن تعرف عادات زاوج طيور البطريق فورًا، وموقع ويكيبيديا معطل.
– فني الكهرباء: عندما ينقطع التيار الكهربائي عن منزلك.
– المعالجون النفسيون: عندما تبدأ بالتحدث مع نفسك عن حبيبك السابق، ويبدو على بتاعين الفيسبوك القلق.
– علماء الآثار: عندما تريد أن تعرف مدى عظمة أو سخافة أسلافك وأجدادك القدماء.
– المؤرخون: لو كنت تؤمن بان من لا يفهمون تاريخهم محكوم عليهم بتكرار أسوأ فصوله.
– الروائيون: لو كنت مهتم بمعرفة أنبل الدوافع الإنسانية والبؤر المظلمة داخل النفس البشيرية.
– الأرصاد الجوي: عندما تريد التخطيط للعمل الزراعي والإستعداد للفيضانات المدمرة.
– الجندية: عندما تتعرض بلادك لغزو وهجوم من قبل أجانب ميليشيات إبادة جماعية يروعون أهلك.
ملاحظات ختامية:
– قال أبو العلاء المعري؛
“الناس للناس من بدو وحاضرة بعض لبعض وإن لم يشعروا خدم”. بمعني أن المجتمعات تبني بالتعاون من جميع أنواع البشر.
– كما يشيرقول المعري ، لا يستطيع أحد القيام بكل شيء، لذا يحتاج المجتمع، بالتساوي، إلى جميع أنواع المهن المذكورة أعلاه ومئات غيرها. أكرر، جميعها ضرورية.
– إذا لم يوجد خبازون، سيضطر الجراح إلى مغادرة المستشفى ظهرًا ليخبز الخبز لنفسه ولعائلته، وفي يوم الجمعة، عليه بناء مطبخ في منزله. من الواضح أن هذا غير فعال، لأن الجراح على الأرجح خباز سيئ وعامل بناء أسوأ سيفسد الخبز والبناء، وبينما هو يخبز، من المحتمل أن يموت بعض مرضاه في المستشفى. لا أحد يمانع أن يفتح الجراح بطنه لكن لا أعتقد أن هناك من يريد أن يترك له ضرب حائطه بالجالوص. بهذا المعني، فان مساهمة عامل البناء وبتاع الفرن أساسي لعمل الجراح.
– معلوم، على الأقل منذ آدم سميث، أن التخصص كان من أهم محركات الحضارة الإنسانية. شرح سميث تقسيم العمل كأحد أهم المفاهيم الأساسية في الاقتصاد وعلم الاجتماع. فبدلاً من أن يقوم شخص واحد بكل شيء، يعمل الناس معًا، ويساهم كل منهم بجزء صغير. يُعد التخصص وتقسيم العمل المحرك الأساسي للإنتاجية الصناعية الحديثة والنمو الاقتصادي، وذلك لأسباب عديدة:
+ يتيح زيادة هائلة في الإنتاجية والكفاءة، كما أوضح آدم سميث في كتابه الشهير “ثروة الأمم”.
+ زيادة المهارة: عندما يُركّز العامل على مهمة واحدة متكررة، يُصبح ماهرًا للغاية وسريعًا في أدائها، وهذا يرفع من الجودة والإنتاجية.
+ توفير الوقت: يُهدر التنقل بين المهام المختلفة (تغيير الأدوات والمواد والتركيز الذهني) الوقت، ويُزيل التخصص تكلفة التبديل هذه.
+ الابتكار الآلات: يُرجّح أن يكتشف العامل المتخصص أوجه القصور، وأن يبتكر فكرة أو أداة أو آلة أفضل لأداء تلك المهمة تحديدًا. يُعزز التخصص الابتكار.
+ الاستخدام الأمثل للمواهب المتنوعة؛ ليس كل شخص بارعًا في كل شيء، وليس كل شخص مُهيّأً ليكون عالم رياضيات أو طبيبًا أو محاسبًا أو حسن عطية. يُتيح تقسيم العمل للمجتمع توجيه الأفراد نحو الوظائف الأنسب لهم. فالشخص ذو الموهبة الفنية الفطرية يُمكن أن يُصبح مصممًا، بينما يُمكن لذي المهارات التحليلية القوية أن يُصبح خبيرًا اقتصاديًا. وهذا يُؤدي إلى رضا وظيفي أكبر وإنتاجية أعلى للمجتمع ككل.
– باختصار، تقسيم العمل هو أساس الإنتاج الضخم والاقتصادات المعقدة. الحياة العصرية، بسلعها المعقدة كالهواتف الذكية والطائرات، ستكون مستحيلة بدون تقسيم العمل.
– في الواقع، كان تقسيم العمل محورياً في تطور أهم مؤسسة بشرية في التاريخ: السوق. بما أن التخصص يحتاج إلي سوق ليتبدل فيه الجراح سلعته مع الخباز والمعلم والجزمجي وزارع الجرجير والترزي.وهذا يُنشئ شبكة معقدة من الترابط الاقتصادي تُشكّل أساس التجارة المحلية والوطنية والعالمية.
+ ويترجم كل هذا إلى انخفاض تكاليف الإنتاج مما يُتيح تقديم أسعار أقل للمستهلكين، ويجعل السلع في متناول الجميع، ويرفع مستوى المعيشة بشكل عام. كما يقود إلي تحقيق أرباح أعلى، يمكن إعادة استثمارها في تسريع التنمية والرفاه.
– في الجانب المظلم: على الرغم من الأهمية البالغة لتقسيم العمل، إلا أنه لا يخلو من عيوب جوهرية، من المهم الإقرار بها مثل:
+ الاغتراب النفسي: قد يكون أداء مهمة صغيرة متكررة طوال اليوم عملاً رتيباً ومملاً ومُرهقاً.
+ ضيق الأفق: يكتسب المتخصصون مهارات متعمقة للغاية ولكنها محدودة النطاق – دكتواراة في جناح بعوضة زي ما قالت فاطمة أحمد إبراهيم عليها الرحمة في سجالها مع الجندريات الحداثيات.، وإذا لم ينتبه المتخصصون ويسعوا لتطوير أنفسهم في مجالات أخرى، فقد يصبحون متغطرسين، وضيقي أفق، وخطر علي المجتمع وكج مملين.







