نفرة توتي.. استلهامٌ لماضيها العريق في العمل الجماعي تقرير مريم الهادي

في ظل التحديات التي واجهت المجتمع السوداني عقب الحرب التي فرضت علي البلاد عقب تمرد مليشيا الدعم السريع الارهابية، والظروف الاستثنائية التي مرّ بها أهل البلاد نتيجة لافرازات تلك الحرب، برزت مبادرات مجتمعية عديدة في مناطق متفرقة، أكدت أصالة الإنسان السوداني وتمسكه بقيم التكافل والتعاضد. وقد مثّلت هذه المبادرات منارات أمل أعادت ترميم النسيج الاجتماعي ومدّت جسور التعاون بين أفراد المجتمع.
ومن بين هذه النماذج المضيئة، برزت مبادرة «توتي أولاً وأخيراً» التي يقودها شباب جزيرة توتي بجهود خالصة، وبمساندة أبناء الجزيرة في الداخل والخارج. وهي مبادرة إنسانية واجتماعية رائدة عملت في مجالات متعددة لخدمة إنسان الجزيرة، وتخفيف معاناته، وتوفير الخدمات الأساسية له.
وفي إطار جهودها، لعبت المبادرة دوراً محورياً في دعم العودة الطوعية لأهالي الجزيرة من مصر، حيث سيّرت حتى الآن (20) باصا من القاهرة إلى السودان، أسهمت في عودة أكثر من (900) مواطن إلى ديارهم، مع توفير سبل الراحة والرعاية اللازمة لهم طوال الرحلة وحتى وصولهم إلى منازلهم بسلام. وقد وجدت هذه الخطوة استحساناً وامتناناً كبيرين من أهالي الجزيرة.
وفي الجانب الاجتماعي، نفذت المبادرة برنامج السلال الرمضانية، الذي استفادت منه (850) أسرة، حيث اشتملت السلال على احتياجات الأسر الأساسية خلال الشهر الفضيل، بما يعزز روح التكافل ويخفف الأعباء المعيشية.
كما امتدت جهود المبادرة إلى إعادة تأهيل الخدمات الأساسية، لا سيما المياه والكهرباء، التي تعرضت لأضرار جسيمة جراء التخريب. وبفضل عزيمة شباب الجزيرة من مهندسين وفنيين، عادت الكهرباء تدريجياً إلى معظم الأحياء، في مشهد أعاد الحياة إلى المكان وأشاع الفرح بين السكان. ومع كل حيٍّ تضاء أنواره، كانت تتعالى أصوات الفرح، وتصدح الأهازيج، ويحتفل الأطفال بعودة النور إلى المنازل.
ولا تزال التكايا الغذائية، بدعم من مغتربي أبناء الجزيرة، تواصل تقديم خدماتها للمحتاجين، في صورة تجسد أسمى معاني التراحم والتكافل.
الشكر لكل شباب جزيرة توتي الذين عملوا بإخلاص وتفانٍ، وعلى رأسهم عدد من الفنيين والمهندسين والإداريين الذين واصلوا الليل بالنهار لإعادة التيار الكهربائي إلى بقية الأحياء، مؤكدين أن العمل الصامت المخلص هو السبيل الحقيقي لخدمة المجتمع.
لقد جاءت هذه المبادرة الشبابية لتؤكد معدن وأصالة إنسان توتي، وتجدد العهد بالسير على درب الآباء والأجداد، المتمسكين بقيم «النفير» والعمل الجماعي، التي عُرفت بها توتي عبر تاريخها الطويل، لا سيما في مواجهة فيضانات النيل والتحديات الكبرى.
وتظل نفرة توتي نموذجاً حياً لقدرة المجتمعات المحلية على النهوض من تحت الركام، وصناعة الأمل بإرادة أبنائها.

سونا

Exit mobile version