ماذا خسرت دول الخليج ؟

يقول الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ( لا نريد أن نكون شرطي المنطقة، وعلى دول الخليج أن تتحمل مسئولية أكبر في أمنها الخاص )
في مشهد جيوسياسي يتسم بالأحداث المتسارعة، وبعد حرب استمرت أكثر من 3 أشهر برزت (مذكرة التفاهم) بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران كواحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في أروقة السياسة الإقليمية، وبينما تنشغل واشنطن بإعادة رسم خطوط التواصل مع طهران، ترتفع في العواصم الخليجية أصوات التحذير من تداعيات هذا المسار، الذي يرى فيه مراقبون تهديداً مباشراً لميزان القوى التقليدي ومصالح دول مجلس التعاون.
وتتمثل نقطة القلق الأولى ليس فقط في تصريح ترامب في بداية المقال بل في فقدان صفة ( الطرف المتضرر ) إذ يلاحظ المحللون في مركز ريكونسنس للبحوث والدراسات أن مسودة التفاهم تركز بشكل كلي على إعادة تأهيل الاقتصاد الإيراني ورفع العقوبات وفتح مضيق هرمز، متجاهلة التضحيات التي قدمتها دول الخليج والأعباء الأمنية والسياسية، هذا التجاهل يعطي انطباعاً بأن المصالح الاستراتيجية للشركاء الخليجيين أصبحت ثانوية في الأجندة الأمريكية.
علاوة على ذلك، يثير الانسحاب التدريجي للقوات الأمريكية من محيط إيران وهو أحد بنود المذكرة مخاوف بشأن ( تراجع الردع الإقليمي ) فالمظلة الأمنية التي وفرتها واشنطن لعقود وبصورة أوضح القواعد العسكرية التي بنتها في الخليج قد تبدأ في التآكل، مما يفتح الباب أمام إيران لإعادة تشكيل ميزان القوى لصالحها سواء فرض سيطرتها على الملاحة في الخليج أو التحكم في مضيق هرمز أو حتى دعم التيارات الطائفية أو التحكم في سوق النفط مما يسبب توترات أمنية لدول الخليج، وهو ما يفرض على دول الخليج إعادة تقييم شاملة لاستراتيجياتها الدفاعية.
ولا تقتصر المخاطر على الجانب السياسي والأمني، بل تمتد لتشمل الأعباء المالية، حيث أشارت مذكرة التفاهم في الفقرة السادسة قولها ( تتعهد الولايات المتحدة الأمريكية بالتعاون مع شركائها الإقليميين بوضع خطة متفق عليها بشكل متبادل بتقديم مساعدات لا تقل عن 300 مليار دولار لإعادة إعمار الجمهورية الإسلامية الإيرانية وتنميتها اقتصاديا ) وهو رقم يثير تساؤلات ملحة حول من سيتحمل فاتورة الحرب الضخمة، وهل يُنتظر من الشركاء الإقليميين والمقصود بهم دول الخليج المساهمة فيها ؟
أضف لذلك غياب ضمانات أمنية صريحة أو تعويضات ملموسة، وهنا تجد دول الخليج نفسها في وضع غير مريح فالتفاهم الحالي لا يتضمن التزاماً إيرانياً بوقف التدخلات في الشؤون الداخلية لدول الجوار، ولا توجد آليات لمحاسبة طهران عن سياساتها السابقة المتمثلة في قصف المنشآت المدنية والنفطية لدول الخليج.
ختاماً إن الخطر الحقيقي يكمن في كيفية التعاطي الأمريكي مع دول الخليج والتعامل معه كلاعب ثانوي وليس كشريك استراتيجي.
لقد بات من الضروري أن تتحول دول المنطقة من موقع المراقب إلى ( شريك أساسي ) في أي ترتيبات مستقبلية لضمان ألا تأتي هذه التفاهمات على حساب أمنها واستقرارها ومستقبل شعوبها إن المرحلة المقبلة تتطلب دبلوماسية استباقية تعيد التأكيد على الثوابت الخليجية وتفرضها على طاولة التفاوض الدولي، وإن كان الوضع مقلقا إلا أن هناك نقطة ضوء في آخر النفق ربما تعطي أملا في وجود دور خليجي ممكن يغير شيئا من المعادلة القادمة التي تضمنتها مذكرة التفاهم، وهو مشاركة دول الخليج وعلى رأسها دولة قطر في الجلسات المتعلقة بمتابعة اتفاقية التفاهم.
مرزوق فليج الحربي – الشرق القطرية







