الحرب العالمية الثالثة قد تبدأ من دون أن يقرر أحد إشعالها

ربما تكون أكبر مفاجآت الحرب العالمية الثالثة أنها لن تبدأ بالطريقة التي ننتظرها، فلا جيوش تعبر القارات، ولا تحالفات تعلن ساعة الصفر، لكن ميزانيات الدفاع ترتفع، ومصانع الذخيرة تتوسع، والممرات البحرية تتحول إلى ساحات ردع، والطاقة والرقائق وسلاسل الإمداد تدخل حسابات الأمن القومي، لذلك لم يعد السؤال، هل تقترب الحرب العالمية الثالثة؟، بل هل نبحث عنها بالصورة الخطأ ؟
لا يعني ذلك أننا دخلنا حربًا عالمية كما عرفها القرن العشرون، فلا تعبئة عامة ولا جبهة واحدة، لكن معيارها ربما تغير، فلم يعد اتساع الجغرافيا وحده، بل ترابط ساحات الصراع، بحيث يستطيع قرار عسكري في منطقة أن يغير حسابات أخرى بعيدة، وعندها تتحول أزمات تحمل أسماء مختلفة إلى منظومة صراع واحدة من دون إعلان رسمي .
أوكرانيا والشرق الأوسط وتايوان تبدو ملفات منفصلة، لكنها تتنافس على الموارد نفسها، الذخائر الدقيقة، والدفاعات الجوية، والسفن، والطاقة، والرقائق، والأهم قدرة الدول الكبرى على إدارة أزمات متزامنة، فإذا انفجرت جبهتان معًا، لن يكون السؤال من ينتصر في كل واحدة، بل من يستطيع توزيع موارده من دون أن يكشف ضعفه في الأخرى .
لذلك تصبح إعادة التسلح مؤشرًا على تحول بنيوي، بلغ الإنفاق العسكري العالمي ٢٫٨٨٧ تريليون دولار عام ٢٠٢٥، للعام الحادي عشر المتتالي من الارتفاع، أي ٢٫٥ بالمئة من الناتج العالمي، وفق معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام، فيما ارتفع الإنفاق الأوروبي ١٤ بالمئة، وتوسع الصين قدراتها، وتواجه واشنطن كلفة حضورها العالمي، فالحرب الطويلة لا يحسمها مخزون البداية، بل القدرة على الإنتاج والتمويل والتعويض أثناء الاستنزاف .
والجغرافيا الاقتصادية تكشف مستوى آخر من الخطر، هرمز شريان للطاقة، وباب المندب للتجارة، وتايوان عقدة لأشباه الموصلات، وأوكرانيا جزء من الردع الأوروبي، اضطراب هذه النقاط يستطيع نقل الصراع من الميدان إلى المصنع والميناء والبورصة، فلا ضرورة لقصف مصنع لتعطيله، قد يكفي تهديد الطاقة التي تشغله، أو الرقائق التي يحتاجها، أو السفينة التي تنقل إنتاجه .
وتنقلب بذلك إحدى مسلمات العولمة، فقد كان الافتراض أن تشابك المصالح يجعل الحرب أكثر كلفة وأقل احتمالًا، لكن الاعتماد المتبادل أصبح قابلًا للتسليح، العقوبات والطاقة والتكنولوجيا والعملات و شبكات التجارة و التوريد تحولت إلى أدوات إكراه، أي أن البنية التي صُممت لتوسيع الازدهار قد تصبح ميدانًا لتحديد من يستطيع الصمود أطول .
أما الردع النووي فيولد مفارقة مختلفة، فهو يجعل المواجهة المباشرة بين القوى الكبرى كارثية، لكنه يوسع مساحة الاحتكاك تحت العتبة النووية، عبر الوكلاء والهجمات السيبرانية والحصار والعمليات المحدودة، فيحمي من الصدام الشامل بينما يسمح بتراكم مواجهات قد تقود إليه .
وتظهر المعضلة بوضوح في واشنطن، فهي تريد ردع روسيا في أوروبا والصين في آسيا وحماية مصالحها في الشرق الأوسط، بينما تراقب موسكو وبكين أين تتركز الموارد الأميركية وأين تنكشف، وقد لا تُفتح جبهة جديدة لهزيمة الخصم فيها، بل لإجباره على نقل قدراته وترك فراغ في مكان آخر .
من هذه النقطة تولد النبوءة، الحرب العالمية الثالثة قد لا تبدأ لأن دولة كبرى قررت خوضها، بل لأن عدة دول قررت، كل على حدة، أن خصمها منشغل بما يكفي كي لا يرد، فتتحول «نافذة الفرصة» إلى سوء تقدير، ثم إلى تصعيد والتزامات يصبح الانسحاب منها أكثر كلفة من الاستمرار .
لذلك لم تعد المهمة منع مواجهة واحدة، بل منع الجبهات من الاتصال، لأن الكارثة قد تنشأ من قرارات محلية تبدو عقلانية منفردة، ثم تصبح مدمرة عندما تتجمع نتائجها في نظام واحد .
وربما لن يسأل المؤرخون يومًا متى بدأت الحرب العالمية الثالثة، بل لماذا ظل الجميع ينتظر إعلانها، بينما كان كل طرف قد بدأ بالفعل بخوض الجزء الخاص به منها .
سمير حمدان – وكالة عمون الإخبارية





