ما بين الفساد والحوار!!

< ستزلق أرجل الحكومة وتسقط في الوحل، إن لم تسارع إلى تخليص نفسها من هذا المأزق الذي ذهبت إليه بقدميها، فالحديث المطلق على عواهنه وما يُنشر في الصحف عن الفساد، هو الطعن بنصل السكين الذي وصل العظم ويضرب بقوة حتى داس على كل المنظومة العدلية للدولة، من المحكمة الدستورية التي استقال رئيسها بسبب التحكيم في قضية الأقطان، وما تلاها بأيام من استقالة رئيس القضاء لأسباب غير معلومة للعامة، ثم ملابسات ما قيل عن وكيل العدل، كل هذه مدعاة للتوقف والنظر بدقة وعمق في ما وراء كل هذه العواصف والأغبرة السوداء. < منذ الوهلة الأولى كان لا بد للحكومة وإعلامها وآلة الفعل السياسي، أن تدرك بالكفاءة المطلوبة أن إثارة هذه القضايا في هذا الوقت، ليس تداعياً طبيعياً لإفساح الحريات الصحفية والحريات العامة، فما يجري شيء فاق التصور في سرعة تفشيه وتمدده، فقد التقطت الصحف الكثير من المعلومات الصحيحة والمخطئة، وانفتحت شهيتها لنشر كل ما يُقال ويُثار، واعترت ساحة الرأي العام حالة من الجنون وانتشار يشبه انطلاق النار في الهشيم، حيث تتغذى الصحف كل يوم بضخ هائل من البيانات والمعلومات المثيرة والخطيرة وتنشرها بذات السرعة دون توقف وبعضها دون تثبت. < وقد لعب الإعلام الجديد ومواقع التواصل الاجتماعي دوراً خطيراً في تأجيج الحريق، وتتدفق المعلومات والأخبار والمدونات المشكوك في صدقيتها وغير المضبوطة بقواعد المهنية الاحترافية في الصناعة الخبرية، وحشيت أمعاء ومعدة الصحافة بالغث والسمين، وأصيب بعضها بالتخمة وعسر الهضم وتقيأ بعضها على نفسه، بسبب المسموم والملوث من معلومات وتداخل الخبيث بالطيب!! < فلماذا إذن.. هذه الحالة التي نعيشها، هل هي إشراق من تجليات الحرية الصحفية التي حلت بنا؟ أم انفلات لا حد له ولا سقف دهمنا بقوة وحاصرنا من كل جانب؟ < يبدو أن وراء الأكمة ما وراءها.. لسبب بسيط، ففي ظل التدفقات الكثيفة لأخبار الفساد والمفسدين خاصة المتصلة بالحكومة، تجرى صناعة رأي عام وتركيب صورة مشوهة حول السلطة الحاكمة، وإبعادها من أهم ما فعلته في هذه المرحلة بقيادتها للحوار الوطني ودعوة السودانيين للتوافق والوفاق، وفي الوقت الذي يكاد فيه الحوار الوطني أن يستقر على وجهته استعداداً لانطلاق قطاره بلا توقف وتهيؤ الساحة السياسية لنتائجه التي ستعود على البلاد والممارسة السياسية بالرشد والصلاح والإصلاح، تندلق وتسري في أوصال الرأي العام الفضائح والسِّير والأخبار حول قضايا الفساد الحكومي، ولا تترك موقعاً إلا غمرته وغمزته!! < وبغض النظر عن صحة أو عدم دقة المعلومات التي وجدت طريقها للصحف وتقوم بنشرها.. وهذا دورها وواجبها إن كان ما وقع في أيديها صحيحاً، فإن ما يحدث الآن هو استحواذ قضايا الفساد على اهتمامات واتجاهات الرأي العام، وأصبح الحديث عن هذه القضايا هو حديث مجالس المدينة ومقدماً على الحديث عن أهمية الحوار الوطني بين الفرقاء والتكوينات السياسية في البلاد، وهو حوار سيقود إلى تحقيق الاستقرار السياسي والسلام، ويفتح الباب أمام المبادرات الوطنية لتوافق السودانيين ووقف الحرب والتنازع المسلح. < إذا كانت قضايا الفساد قد غطت على اهتمامات الرأي العام وطمرت الحديث والانفعال بالحوار الوطني وبانخفاض نسبة التضخم ومؤشرات طفيفة بتحسن الأداء الاقتصادي، فإن على الحكومة العمل بسرعة على إنقاذ نفسها من الوقوع في المنزلق والغرق في شبر ماء الدفاع والتبرير، وعليها إطلاق العملية السياسية وتبديل وضع الصورة في الإطار الصحيح.. قبل فوات الأوان!! [/JUSTIFY][/SIZE]أما قبل - الصادق الرزيقي صحيفة الإنتباهة

