المعركــــة القادمـــة

> تتهيأ المنطقة العربية بعد الحرب على غزة التي نأمل أن تتوقف في غضون الأيام القادمة بإذعان دولة الكيان الصهيوني لحقيقة هزيمتها العسكرية والمعنوية والأخلاقية والسياسية وفشلها في احتلال قطاع غزة وكسر شوكة المقاومة، تتهيأ المنطقة لدورة جديدة من الصراع بين التيارين الإسلامي والعلماني بعد انكشاف الأخير وسقوط ورقة التوت عنه وظهور سوءاته بالموقف المتخاذل من الهجوم الوحشي البربري على الفلسطينيين في قطاع غزة، وتعرية التعاون المخزي بين هذه الأنظمة العربية العميلة والعدو الصهيوني.
> المعركة بين التيارين ستكون حاسمة وحامية الوطيس، فالأنظمة العربية التي تتعاون مع إسرائيل وتتحكم فيها نخب علمانية متصهينة، كانت تراهن على هزيمة المقاومة الفلسطينية، وتزعم أن هناك محوراً فرض نفسه على الساحة تدعمه تركيا وقطر.. وقف وراء ثورات الربيع العربي التي نجحت فيها القوى الإسلامية في إزاحة الأنظمة الفاسدة في بعض الدول العربية، وكان الحبل على الجرار إذا واصلت ثورات الربيع العربي فورانها وزلزالها.
> وتظن الأنظمة العميلة التي تآمرت ضد المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة وكامل التراب الفلسطيني، أن قضية الأمة المركزية التي تمثل المفاعل الحقيقي لتوحد الوجدان العربي والمسلم هي القضية الفلسطينية، فإذا تمت تصفية هذه القضية ومرر مشروع التطبيع والتسوية، فإن التنسيق بين القوى الدولية الكبرى وإسرائيل وعملائهم من العرب، سيقضي بالفعل على التيارات الإسلامية إلى غير رجعة، وتتمكن دولة الكيان الصهيوني من التسيد على المنطقة وقيادتها وتحقيق حلم اليهود القديم المتجدد.
> ولذلك فإن الحرب على غزة بهذه الوحشية والتدمير والقتل الجنوني البشع، هي آخر حلقة في مشروع تتبيع المنطقة لإسرائيل، وليست هناك ذريعة أخرى للبدء في اقتلاع التيارات الإسلامية من المحيط إلى الخليج دون أن تكون هناك حالة سيولة في المواقف العربية وسلب الأمة عنوان ورمز قضيتها في مضمار الصراع الحضاري القائم في عالمنا اليوم، وقضية فلسطين لا ينظر إليها اليهود على أنها مجرد صراع حدود وأرض، فهم يعرفون قبل غيرهم أن هذا الصراع تكمن حقائقه في ما يمثل من تدافع حضاري تاريخي له أبعاده الغائرة في لحم الزمن والعصر، وفي جوهر العقائد الدينية المؤسسة للدولة العبرية والدول الغربية التي تقف وراءها وتبرر لها أفعالها.
> وبالعودة إلى أن المعركة قادمة لا محالة بين التيارين الإسلامي والعلماني في العالم العربي، فإن الذي يؤسف له للغاية هو موقف النخب والتيارات العلمانية العربية وخاصة السياسية والإعلامية من الذي يحدث في قطاع غزة.. فليس الإعلام المصري وحده هو الذي سقط في الوحل وصار موطئاً تحت النعال، فهناك الإعلام في بعض دول الخليج وبعض السودانيين الذين يكتبون هنا في الداخل والخارج، صاروا صهاينة أكثر من قادة إسرائيل أنفسهم، ولم تمر بأمتنا العربية لحظة أكثر قتامة وحلكة وظلاماً من هذه الفترة التي لولا دماء الشهداء وبسالة المجاهدين لما كان هناك قبس من نور أو ضياء.
> الآن باتت ملامح المرحلة المقبلة واضحة، فصمود غزة جعل النخب العلمانية أكثر شراسة وأشد تعطشاً للدم المراق من أجساد الأطفال والنساء والعجزة والمدنيين والشباب في غزة .. وبدأت طبول الحرب تدق في كل مكان، وبدأت الآلة الإعلامية العلمانية تعرف وتصف عدوها بطريقة أكثر دقة وتتهم دولاً بعينها بأنها في محور الشر الجديد الذي يُراد تسويقه لضربه ومحوه من الوجود .. في مقابل ذلك ستعطي عملية التصدي وجسارة قطاع غزة هذه البقعة الصغيرة التي قهرت الجيش الذي لا يقهر، بعداً جديداً للصراع بين التيارين، وستسقط أنظمة كأوراق الخريف.. وستتهاوى عروش، فللدم الذكي البريء الطاهر ثمن وللعزة أوان وكبرياء.
> فكل من يتخاذل ويقلل من شأن الذي يجري في غزة لا يقرأ التاريخ، وكل من يراهن على بقاء الأمر كما كان عليه في السابق يعاني من قصر نظر وضعيف عقل، فالعدوان الصهيوني على غزة ينتج معادلات جديدة.. وسيشرق في الكون فجر جديد.
> وشيء غريب للغاية.. فقد سمعت من الشيخ الدكتور راشد الغنوشي غداة انتصار الثورة التونسية وعودته لبلاده، ما نقله عن زعيم حماس ومؤسسها.. قال راشد: «إن الشهيد الشيخ أحمد يس مؤسس حركة حماس.. ظل يردد ويؤمن إيماناً مطلقاً وبثقته في ربه حتى استشهاده، أن الكيان الصهيوني المغتصب سيهزم وسيزول بحلول عام 2025م.. وتلك مقولة رجل صالح وشهيد».
[/JUSTIFY][/SIZE]
أما قبل – الصادق الرزيقي
صحيفة الإنتباهة

