مقالات متنوعة

قيم الإنسانية على شفا جرفٍ هار

[CENTER][B][SIZE=5] قيم الإنسانية على شفا جرفٍ هار [/SIZE][/B][/CENTER] [SIZE=5] شيء ما يحدث لمنظومة القيم الديمقراطية ومبادئ الحرية والعدل والمساواة في العالم الأول. نكوص فرنسا عن مبادئها مؤسف، وغياب بعض استراتيجيات القيم التي توصلت لها أمريكا بعد طريق طويل من الآلام أشد إيلاماً وأوقع أسفاً.

هذا الواقع يضعنا في أغلب المقاربات التي تتعلق بالظلم الاجتماعي، فنلجأ إلى عاصمة النور “باريس” ودولتها حاملة مشعل الحرية والعدل والمساواة، ليس بسبب الميثاق الأشهر والذي حملت شعلته وتطبقه اليوم فرنسا صاغرة لأمر الديمقراطية بتعيين أركان حكومتها من مهاجرين أفارقة وغيرهم من الأقليات، ولكن أيضاً بسبب هذه الحقوق المطبقة رسمياً والظلم الواقع على الطبقات الأقل حظاً من مهاجرين في الأحياء العشوائية.

وليس الفيلم السينمائي “المقاطعة 13” من بطولة ديفيد بيل وسيريل رافايللي، ومعاناة طاقم إنتاجه في ظهوره على الشاشات ببعيد عن الذاكرة. يحكي الفيلم قصة أحد أحياء باريس المضطربة التي سيطر عليها رجال العصابات والمخدرات والعنف واستفحلت هذه الحالة لبناء السلطات جداراً يحول بين هذه المقاطعة وبقية الأحياء الأخرى ما اضطر سكان المقاطعة بعد تخلي الحكومة عنهم أن يبقوا بدون تعليم وبدون علاج وأمن وبيئة صحية. مُنع هذا الفيلم من عرضه على الشاشات الفرنسية، وبعد عام واحد من السماح له بالبث أي في العام 2005م، انتفضت الأحياء العشوائية في باريس وطالبت بحقوقها المدنية والسياسية والاجتماعية وقامت بأعمال الشغب الواسعة.

وبعد ذلك دخلت مفردة المقاطعة أو الضاحية، الثقافة الشعبية الأوروبية والفرنسية على وجه الخصوص واتجهت لتعكس إيحاءً مثيراً للاشمئزاز ودالاً على العنف. وبأخبار عنف الضواحي الفرنسية التي اندلعت شرارتها عام 2005م إثر مقتل مراهقين من أصول إفريقية، والصبيان الثائرون طلباً لحقوق والمتفلتون يمثلون جزءاً من النسيج الاجتماعي من الأصول المهاجرة الذين تحكي تفاصيلُ حياتهم قصصاً مأسوية تبدأ بالفشل الدراسي مروراً بالبطالة وتنتهي بالسقوط في براثن الجريمة.

ينحدر الآن مبدأ المساواة الذي يعد ركيزة راسخة من ركائز قيم الثورة الفرنسية بجانب الإخاء والعدالة هناك في فرنسا، ومساعدة تلك الحادثة على تأليب الرأي العام ورفع الأصوات احتجاجاً بضرورة إنصاف المستوطنين غير الشرعيين. فالنموذج الفرنسي يسعى لإدماج المواطنين المنحدرين من بلدان أخرى شريطة جدواهم ونجاحهم ومساهمتهم في اقتصاد الدولة، والنموذج العالم ثالثي يعمل على تفكيك قيمة المواطنة لدى مواطنين حقيقين من صلب الأوطان وذلك بالإبقاء على أوضاعهم المتردية يوماً بعد يوم.

كثير من الأحياء الفقيرة والهامشية الممتدة هنا وهناك في عدد من العواصم العربية والأفريقية تعاني من معدلات أعلى للجريمة، وكثيرة هي الأحياء المعروفة بالاسم وشكل السكن غير اللائق، تساهم في الضغط على القدر الموجود من الخدمات كالتعليم والصحة والخدمات على قلتها. لذا يصبح العنف جزءاً مؤسسياً من مجتمعاتنا وبشكل أخطر تصبح صورة سكانها كمجرمين أكثر ثباتاً. فلم نطالب الجمهورية الخامسة بتحمل تبعات الفاشلين من دولنا عندما تضيق بهم أوطانهم.

أما الموقف الذي يُحسب لصالح الإدارة الفرنسية فهو اقتراح وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس الذي طالب بإحاطة المحكمة الجنائية الدولية بالجرائم التي ارتكبت في سوريا. وهنا وقف لوران فابيوس مع مبادئ دولته ولكن أشاحت الأمم المتحدة ومن خلفها المحكمة الجنائية الدولية بوجهها بعيداً عن أوجه العدالة.

أكثر ما يردده منتقدو أداء محكمة الجنايات الدولية أنّها ومنذ إنشائها عام 2002م وهي تكيل بمكيالين. فبالرغم من تمتعها بصلاحيات دولية واسعة ووقوفها كواجهة لخدمة العدالة الدولية إلّا أنّها لم تصدر من أصل عشرين قضية تولتها سوى ثمانية أحكام إدانة بحق مسؤولين وكلهم من أصول أفريقية. وإن كانت أقدار الفساد في الحكم والديكتاتورية التي تتيح للحكام في أفريقيا نبذ شعوبهم إلى درجة الإبادة الجماعية التي تعاقب عليها هذه المحكمة، فلم تقف المحكمة نفسها مكتوفة اليدين إزاء محاكمة بشار الأسد وغيره ممن يقومون بالحرب بالوكالة على شعوبهم، ما يقدح في مبدأ العدالة نفسه.

الصفحة الأنصع وسط هذه التناقضات هي أنّه قبل أن يتفق الرأي العربي، نهضت المجتمعات الأوروبية ومنظمات المجتمع المدني لإدانة العدوان “الإسرائيلي” على غزة، طالبة من حكوماتها الضغط على الأمم المتحدة لوقف سفك الدماء في غزة وعمليات التدمير. وقبل أن يقف الأشقاء العرب يداً واحدة لوقف العدوان وعمليات التدمير في غزة، بذلت بعض جماعات منظمات المجتمع المدني الأوروبي جهوداً لاستصدار قرار من مجلس الأمن بإلزام “إسرائيل” بوقف القصف على المدنيين والمدارس والمساجد.
[/SIZE]

الكاتب : منى عبد الفتاح