مقالات متنوعة

القصيبي شاعر عصي على التصنيف

[CENTER][B][SIZE=5] القصيبي شاعر عصي على التصنيف [/SIZE][/B][/CENTER] [SIZE=5] تمنيتُ أن أكتب عن الشاعر الإنسان غازي القُصيبي في غير مناسبة رثائه وذكراه التي تصادف الخامس عشر من أغسطس، ولكن القُصيبي الحاضر الغائب، شاعر عصيٌّ على التصنيف ولا يمكن الادعاء حتى من قِبل من يعرفه جيداً بأن يثبت ملامح شعره إلى أي من النسبين ينتمي خليجياً كان أم عربياً. فالشاعر لم يخرج عن حالة الانتماء للعروبة بشكلها العام في حالات الوعي السياسي التي شكلت زهرة دواوينه الشعرية الأولى، ولم يستطع إلا مسايرتها مع الانتماء في نفس الوقت لمحيطه الخليجي والثقافة الإسلامية من خلال قضايا الأمة العربية والإسلامية.
كانت يدُ المنون أسرع من أن نرى هذا الأديب الشفيف وهو يؤكد على ما بدأه من مشاريع ضخمة في مجال الثقافة الإنسانية بمعناها الأشمل. وكان الموت أسرع من أن يردد الناس قصيدته الأخيرة «حديقة الغروب» التي كتبها قبل خمس سنوات ناعياً فيها نفسه، وأسرع من أن يصدر قصته الجديدة «الزهايمر» التي أُعلن عنها صبيحة يوم وفاته. الوزير المحبوب، والحب جديرٌ بسيرته الملأى بكثير من الصفات الرسمية والإنسانية عن استحقاق: الأديب، السفير، الشاعر، الروائي، الوزير الإنسان، عشق البحرين التي ترعرع فيها فكتب قصيدته التي يقول مطلعها:
دربٌ من العشق لا دربٌ من الحجرِ
هذا الذي طار بالواحات للجزرِ
ساقَ الخيام إلى الشطآن فانزلقت
عبر المياه شراعاً أبيض الخَفَرِ
كان شاعرنا عروبيّاً صميماً، استثمر الأحداث الأكثر أهمية في تاريخ الوطن العربي، وكتبها بلغة تأكيدية خلّاقة نجحت في استعادة حركة عربية مشتركة خاطبت روح الوحدة. كما كان هادياً للمضطربين فيما يتعلق بتحديد هويتهم الخاصة، فحررتهم قصائده روحياً من اليأس والألم، ورفعتهم معنوياً ومادياً من أشكال الاستلاب الثقافي إلى رحاب الإنسانية، وأعطتهم القدرة على رد الاعتبار لذواتهم المشوّهة. قد لا يتراءى في بعض الأحيان للمطّلع على قصائد القصيبي ملامح الحضارة العربية إلا منفصلة عن الثقافة العربية الإسلامية بحكم تجاهل هذا التكوين المندمج وعدم إيلائه اهتماماً أكبر في البداية، وقد يذهب به تارة أخرى إلى لا وجود لإرث ثقافي إلا وظلال الحضارة العربية محيطة سياجها به.
خلعت قصائد القصيبي رداء الحماس للقضية العربية ولم يحبسها في أتون صراعاتها وأزماتها الثورية، إنما أطلقها في فضاء رؤية تحررية إنسانية نجحت في خلق رؤية أشمل للوطن العربي في شكله المعروف. ولم تنسَ أن تشد انتباهنا شداً كل فترة بأننا هنا في العالم العربي، حيث لا يخلو خضمه من التفاعلات السياسية، والنضال والتضحية فيعرفنا على أفكار تلك المرحلة التي تستدعي ضروراتها التاريخية مناهضة لم تخل من طرح الأسئلة والمقاربات.
كانت قصيدته «الشهداء» التي امتدح فيها الفدائية الفلسطينية آيات الأخرس في عام 2002م أحد معالم الرثاء لحال الأمّة العربية حيث كتب متندراً «يا سيدي مخترع الفياغرا العظيم، يا من صنعت بلسماً قضى على مواجع الكهولة، وأيقظ الفحولة، أما لديك بلسم يعيد لأمتنا الرجولة؟»
كتب عنه كثيرون، شهدوا على إخلاصه وحبّه لعمله إبان توليه لوزارات: الصحة والمياه والكهرباء والعمل، وسفيراً في البحرين وبريطانيا. أما الإضاءة الثرّة فقد جاءت عن محبة فائضة في كتاب فارس الثقافة الأستاذ حمد بن عبدالله القاضي، أمين عام مجلس أمناء مؤسسة الشيخ حمد الجاسر الثقافية: (قراءة في جوانب الراحل د. غازي القصيبي الإنسانية) والتي جاءت في عدة طبعات أثرت المكتبة العربية. أعرب القاضي عن أنّ من ضمن المحرّكات الأساسية في طباعة هذا الكتاب كان «أنّ الناس قد عرفوا د.غازي القصيبي وزيراً وسفيراً وأديباً واقتصادياً إلى آخر صفاته ومسؤولياته، ولكن قليلا منهم من عرفوه «إنساناً»، تفيض دمعته وتسهر مقلته ويسخّر الكثير من جاهه ووقته لمؤازرة محتاج وإغاثة ملهوف ومسح عبرة يتيم وإقالة عثرة معاق».
ومن منّا ذاك الذي لا يجد ضالته في رواياته، أو دواوينه وكتبه الفكرية أو تسحره إنسانيته الفيّاضة.
[/SIZE]

الكاتب : منى عبد الفتاح