رأي ومقالات
د.عبد الماجد عبد القادر: عَجْوه مَافي تَصْويت مَافي

وكانت إحدى المناطق التي قصدها البروفسيور وصل إليها باللوري وأكمل الباقي بالجمال التي سلكت دروباً شاقة وأخاديد سحيقة حتى الوصول إلى موقع التصويت. وهناك نصبوا خيمة ووضعوا الصناديق في أماكنها وستروها عن الأعين لضمان السرية والشفافية.. وجلسوا جميعاً في انتظار وصول المقترعين..
وبدأ الوقت يزحف بطيئاً.. وبدأ الناس يتوافدون ويجلسون القرفصاء «مكرفسين» على الأرض… أو على أطراف الصخور وعلى مسافة غير بعيدة من اللجنة.. ومعظمهم كانوا أقرب إلى الهياكل العظمية..
وانتصف النهار ولم يتقدم أحد من المقترعين.. وكان البروفسور متشوقاً لكي يأتي ولو واحد فقط منهم حتى يجرب اللغة التي حفظها عن ظهر قلب.. وليعرف كيف يكون وقع الكلمات عليهم عندما يسمعونها.. ومالت الشمس عن كبد السماء والجماعة في مواقعهم ينظرون إلى أعضاء اللجنة واللجنة تنظر إليهم.. والغريب أنهم لا يتحدثون إلى بعضهم البعض.. واستمر هذا الوضع حتى قاربت الشمس على المغيب..
ثم تقدم شيخ طاعن في السن يتوكأ على عود معوج، يمشي بصعوبة ووقف على بعد أمتار من اللجنة في مواجهة أحد أفراد الشرطة وقال:
ــ وين رئيس؟!!
ــ قال البروف.. نعم
ــ قال أجوه «عجوة» في نصوِّت.. أجوه مافي ما نصوت. يعني إذا عندكم عجوة فسوف نصوت وإذا لم تكن عندكم عجوة فلن نتعب أنفسنا بوضع الأصوات في الصناديق.
وسيادة البروف أغاظه الانتظار يوماً كاملاً وهو يترقب التصويت وما آلت إليه الأمور فقال منفعلاً: «إن شاء الله ما تصوت أنا ما مرشح».. وغابت الشمس وجمع الوفد أغراضه والصناديق الفارغة لأنه ليست لديهم عجوة.. وضاعت الدائرة على المرشحين الأربعة لأنه لم يكلف أحدهم نفسه أن يأتي إلى دائرته ومعه «قليبة» أو «جوال» أو «قفة» عجوة..
وعلى أيامنا هذه ومع السهولة النسبية في المواصلات وتوسع وسائل الاتصالات المسموعة والمرئية والمقروءة.. فقد صار الوضع أفضل.. وحيث إن الانتخابات ستكون في عام 2014 نكرر عام ألفين واربعطاشر فعلى السادة ناس الأحزاب «كلهم» ومن الآن أن يكونوا جاهزين.. أولاً بالعجوة وثانياً بالبرامج والعمل الصالح.. ولا يقولوا إن الحكومة فاجأتنا بالانتخابات… ومن المؤكد أن معظم زعماء الأحزاب «جيبها فيهو عقرب» فهم على الرغم من الأموال التي جمعوها منذ نعومة أظفارهم من الحكومات أو من «الناس ساكت» أو من الهبات والهدايا و«الدعم» من الخواجات فهم لا يزالون يكتنزون هذه الأموال ويرفضون إعادة توزيعها على مؤيديهم من الفقراء والمساكين وأبناء السبيل الذين لا يزال بعضهم «يحلفون» بحياة الزعماء وآبائهم ويتبركون بالتراب العالق على سياراتهم وينتظرون من بعضهم مفاتيح الجنة. ونقول إنه من الضروري أن يعلم زعماء الأحزاب أن المواطنين قد صاروا «واعين» و«عمليين» و«براقماتيين» ولهم «مصالح» ولهم «احتياجات» ويفهمون تماماً في نظرية الأخذ والعطاء «give and take» ولهذا فإن الانتخابات بتاعة عام 2015م قد يكون من مظاهرها الشعار الذي يقول «عجوة في تصويت في عجوة ما في تصويت مافي».. صحيح أن عجوة الخرطوم قد تختلف عن عجوة مدني والأبيض وبورتسودان وأضان حمار وسنار وشندي لكن يبقى المفهوم العام ثابتاً في كل الحالات «أجوة في تسويت في أجوة مافي تسويت مافي» وعلى السادة ناس الأحزاب تجهيز «الأجوة» من الآن خاصة أنهم في الفترة السابقة لم يبنوا المدارس ولا المساجد ولا المستشفيات ولا أي حاجة.. وبهذه المناسبة يقال إنه خلال إحدى الانتخابات الأمريكية جرت مقابلة تلفزيونية مع أحد المقترعين وسألته مذيعة القناة هل سيصوت للحزب الجمهوري أم للحزب الديمقراطي فقال إنه سوف يصوت للحزب الجمهوري وعندما سألوه لماذا قال لأن مرشح الحزب الديمقراطي أعطاه رشوة مائة دولار مقابل صوته بينما أعطاه مرشح الحزب الجمهوري خمسين دولارًا رشوة ليُدلي بصوته لصالحه وهذا يعني أن مرشح الجمهوري أقل فساداً بنسبة خمسين في المائة من مرشح الديمقراطي. وبالتأكيد فإن قبيلة واحدة من العجوة ستجد التأييد أكثر من قليبتين باتباع النظرية الأمريكية في الرشوة الانتخابية.
صحيفة الإنتباهة[/SIZE][/JUSTIFY]






