شوقي إبراهيم عثمان

من دمر اقتصاد السودان….ورد الاعتبار لحمدي

من دمر اقتصاد السودان….ورد الاعتبار لحمدي
(1-2)
بما أن هذه المقالة اقتصادية، فقد عرجت قبلها على كل المقالات التي تعني بالاقتصاد وأيضا بتعليقات القراء الكرام، ومن ضمنها مقالة الأخ أسامة بابكر حسن، “عبد الرحيم حمدي لا يزال يزرع نظرية الوهم الاقتصادي”..

وقبل كل شيء أود أن أنقد نفسي، فقبل سنوات هاجم شخصي الضعيف الدكتور عبد الرحيم حمدي بعدة مقالات اقتصادية منها مثلا “فك لغز الدكتور عبد الرحيم حمدي”..الخ، ولاحقا أو متأخرا جدا اكتشفت خطأي في حق الدكتور حمدي. فحال الاقتصاد الحالي الذي ينطبق عليه تعبير “اقتصاد أم فكو” لا يشبه الدكتور عبد الرحيم حمدي لا من قريب أو بعيد، وقد يؤدي الجهل بالأشخاص أو الأشياء إلى كوارث..في الكتابة، خاصة من قبل المغتربين مثلي وربما مثل الأخ أسامة بابكر حسن. لذا قررت ألا أكتب قبل أن أمحص الأشياء وأعطيها حقها ومن ضمنها قطعا الأشخاص، ولسد هذه الثغرة يجب معايشة الواقع.
ggO28174 فمن الأشياء التي اكتشفتها مؤخرا جدا أن الدكتور حمدي مظلوم..!! بتتبع الصور الملحقة بهذه المقالة وتاريخ إشغال المنصب لم يجلس د. حمدي في وزارة المالية ربما سوى ثلاثة سنوات بالكاد – على مرتين!!

العمود أقصى اليسار المحاط بمربع أحمر هم محافظو بنك السودان على التوالي، بينما الصور المحاطة بمربع أزرق هم وزراء المالية.. وأفقيا كل وزير مالية عمل مع رصيفه محافظ بنك السودان، فمثلا د. حمدي في أول وزارة له عمل مع الشيخ أحمد الشيخ…ودواليك!! ولكن هنالك بعض الفجوات..أو تداخل overlapping سنشير إليها.
فمثلا قبل المحافظ الشيخ سيد أحمد الشيخ (الإسلامي) كان هنالك (محافظ السيد الصادق المهدي) الأستاذ (مهدي الفكي الشيخ) وأحتل كرسي بنك السودان من 13/10/1988م – 9/9/1990م. ووزير المالية د. سيد علي زكي (تكنوقراط وأبن الخدمة المدنية) عاصر المحافظ (مهدي الفكي الشيخ) ولم يعاصر المحافظ الشيخ سيد أحمد الشيخ (الإسلامي)..الخ

ونلاحظ أيضا الثلاثي: صابر، وعبد الله حسن أحمد، وعبد الوهاب عثمان تبادلوا المواقع وهم التريو Trio الحقيقي الذي صنع الاقتصاد الذي في أيديكم اليوم. هذه لا شك فيها. مقارنة بهم، شغل د. حمدي منصب وزير المالية لسنتين في بداية الإنقاذ، ثم شغله لسنة واحدة ما بين 2001-2002م وقدم استقالته..!! كيف إذن يكون د. حمدي مسئولا عن هذا الاقتصاد المشوه الذي يسمونه تحرير الاقتصاد!!

وبرمية غير مقصودة، إن من مآسي السودان أن يكون مثلا محافظ (الصادق المهدي) لبنك السودان في الديمقراطية الثالثة مهدي الفكي الشيخ خريج كلية آداب!! ولا أعرف ماذا تكون علاقته بالاقتصاد؟ كل الذي في يده ربما “كورسات” في الاقتصاد!!

عموما، من دمر اقتصادكم يا سادة فهم فضلا عن جعفر محمد النميري في عهده..هذا الثالوث: صابر، وعبد الله حسن أحمد، وعبد الوهاب عثمان!! وعبد الله حسن أحمد خريج كلية العلوم جامعة الخرطوم وماجستير في المياه من جامعة دفت بهولندة، ثم قفز من هيئة توفير المياه لشركات التأمين الإسلامية، ثم بنك فيصل الإسلامي نائبا فمدير عام، فوزير مالية، فمحافظ لبنك السودان، فوزير التعاون الدولي والاستثمار، فوزير رئاسة مجلس الوزراء الخ. كل مؤهلاته في الاقتصاد أنه عمل في بعض الشركات!!

أما دكتور عبد الوهاب عثمان شيخ موسى..فقضيته أعقد، درس اقتصاد، وله دكتوراه في الاقتصاد، وهو نشط في قراءاته الاقتصادية وموسوعيا، وله مساهمات عديدة بأوراق اقتصادية في منتديات إسلامية، وكتب أيضا بعض الكتب، وقرأت له ورقة اقتصادية، بعنوان: الآمة الإسلامية والتحولات السياسية والاقتصادية المعاصرة 34 صفحة، قدمها إلى: مركز أبحاث فقه المعاملات الإسلامية!! وهو مركز سوري ربما في طبيعته ينافس “مجلس الخدمات المالية الإسلامية” الماليزي أحمد عبد الكريم وشركاه، ويزيد عليه بالتركيز على البحوث الفقهي الأكاديمية وفي علم الرياضيات!!

من قراءة تلك الورقة، حكمي على دكتور عبد الوهاب عثمان شيخ موسى أنه شخص غير موهوب في علم الاقتصاد!! قراءاته في نقد الاقتصاد الغربي هي كثيرة ولكنها أكبر من عقله، ولا تخلو مساهماته من المداهنة بقصد الانتشار ومجاراة التيار، رغم كتابه الأخير: أفريقيا وتحدي الألفية الثالثة، الذي قد يوحي أنه سيقلب المفاهيم الاقتصادية رأسا على عقب. باختصار، هو شخص (دنقلاوي) وفي دائرة صابر محمد حسن اللصيقة وربما هو الذي رشحه لرئاسة الجمهورية كوزير للمالية، حتى كتابه المذكور أعلاه عمل له أحمد علي الإمام (دنقلاوي) مقدمة، كذلك فعل البروفيسور حسن مكي بوصفه باحثا في الشؤون الأفريقية، ولم ينس دكتور عبد الوهاب عثمان شيخ موسى في ورقته أن يُزِيِّل تحت أسمه عبارة وحيدة: وزير المالية والاقتصاد الوطني (سابقاً) …ومن المؤكد تفتح له الأبواب!!

ما هو الشيء المشترك ما بين صابر ودكتور عبد الوهاب عثمان شيخ موسى؟ الجواب: الإيمان بقرآن: صندوق النقد الدولي!!
لقد ذكرت الصندوق والبنك الدولي في أكثر من مقالة وربطتهما ربطا محكما بكتاب: اعترافات رجل مافيا اقتصادي، وهذا الكتاب طلبته فور نشره عام 2004م وأهديته للصحفي فيصل محمد صالح 2005م ومع الأسف لم يفهم قيمة هذا الكتاب، وبعد سبعة سنوات تُرجِّم الكتاب وقرأه رئيس الجمهورية مترجما، وحين سأله الطاهر حسن التوم ماذا تقرأ هذه الأيام؟ قال: الاغتيال الاقتصادي للأمم “اعترافات قرصان اقتصاد”. هكذا ترجموه أهل الشام ترجمة ركيكة!!

تفاصيل الفخ الذي سقطت فيه الدول الإفريقية والآسيوية النامية مشروح في هذا الكتاب..عبر اعترافات المؤلف!! لقد اسقط أو اسقطوا الدول النامية في ديون غير قابلة للسداد إلى اليوم – ومن ضمنها السودان فترة نميري!! فالعلاقة بين صندوق النقد الدولي والبنك الدولي هي عضوية، بالرغم من أن مجالات واختصاصات عمل المؤسستين تبدو مختلفة، إلا أنهما يخدمان أهداف وسياسات الدول الكبرى – مجموعة الدول السبع – والتي بدورها تسيطر على سياسات واستراتيجيات عمل المؤسستين. وترتبط تلك الأهداف بمصالح المؤسسات المالية والاقتصادية الكبرى. واهم تلك الأهداف الحفاظ على استمرارية معاهدة بريتون وودز 1944م. وخلق وتوسيع فرص الاستثمار العالية الربحية لمؤسسات الدول الصناعية، لذا نرى سياسات وتوجهات المؤسستين تتغير من وقت لآخر وفق المتغيرات الدولية. ففي عقدية السبعينيات والثمانينيات حين كان رئيس البنك الدولي روبرت ماكنيمار 1968-1982م كان شعار المؤسستين: اقتراض الدولار هو الطريق نحو التنمية..!! ولم يكن الشعار سوى فخ السبعينيات والثمانينيات، لإسقاط الدول النامية عبر المجندين الاقتصاديين، مثل جون بيركينز مؤلف الكتاب أعلاه، في الديون غير القابلة عمليا للسداد!!

أما في حقبة التسعينيات أصبح الشعار الأجوف التالي “هو الحل” للفقراء: تطبيق برامج التكييف الهيكلي structural adjustment programs!! هذه البرامج طبقت بصورة واسعة في الدول الإفريقية. وقد كانت المساعدات التي يقدمها البنك الدولي وصندوق البنك الدولي مرتبطة بصورة أساسية بهذه البرامج. ويعتبر النجاح فيها جواز المرور إلى الدول المانحة والأسواق العالمية الدولية.

هذا الشعار الأخير هو ما طبقه في خفية ومن خلف ظهر الشعب السوداني صابر محمد حسن، وعبد الوهاب عثمان وعبد الله حسن أحمد (في الزفة) ولاحقا عابدة المهدي..!! الدكتور عبد الوهاب عثمان يبدي انحيازا في مقالاته لشروط صندوق النقد الدولي!!

ماذا يعني برنامج التكييف الهيكلي structural adjustment programs ولماذا كان إسحق ديوان يراقب اقتصاد السودان مثل كلب الحراسة من أديس أبابا حيث طقسها الجميل وشوارعها النظيفة الخ؟ المبررات للشعار الجديد، هي، قروض السبعينيات والثمانينيات ذهبت في بطون رؤساء ووزراء الحكومات الإفريقية، وجيوب رؤساء إدارات مؤسسات القطاع العام فهبرتها، لذا، ونكرر مرة أخرى لذا، يجب تفكيك القطاع العام وبيعه، وخصخصته..وتقوية القطاع الخاص، وان البنك الدولي وصندوق النقد الدولي والمؤسسات المالية الكبرى لن يمولوا إلا القطاع الخاص!!

ولكن هذا ليس كافيا في الكتاب الأمريكي!! لكي يحمي اليانكي رؤوس أموالهم الممدودة للقطاع الخاص في الدول النامية، أو الاستثمارات المباشرة، يجب أن يتم تعديل أو تكييف هيكلي في المؤسسات السيادية، مثل الدستور وقوانين السيادة الوطنية الخ لصالح رأس المال الأجنبي المستثمر وحمايته بدون قيود أو شرط كأن يدخل أو يخرج!!

ولكن هذا ليس كافيا في الكتاب الأمريكي!! على الدول التي ترغب في مساعدات وقروض ومنح وإعفاءات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، ومن ثم كأن تفتح المؤسسات المالية والاقتصادية الكبرى خزائنها للفقراء (!) فعلى الدول النامية أن ترفع كل الدعومات الحكومية public subsidiaries عن المؤسسات التعليمية، والصحية، وبقية الخدمات مثل المواصلات، والمياه، والكهرباء الخ.

لا نرغب أن نحلل لماذا يطالب اليانكي بكل هذه الشروط، خوف الإطالة والخروج من صلب المقالة. ولكنها طبقت بحذافيرها في السودان…وببلادة وحتى بضبانتها، كما تقول تلك النكتة الشهيرة!! نشير بعجالة هنا..أن الشعار الإسلامي المرفوع في الاقتصاد أو السياسة يتناقض تناقضا تاما مع خلفية الحال والمسار الاقتصادي..وأسقط السيد ويكيليكس ورقة التوت!!

ولعلنا مجددا نشير..عن ماذا نحن نبحث في هذه المقالة؟ الجواب: نبحث عن متى وكيف وعلى يد من تم تدمير اقتصاد السودان!!

عند هذه الفقرة نشير إلى شخصيتين، د. حمدي وعابدة المهدي.

الأستاذة عابدة المهدي تمتاز بالذكاء، وتؤمن بالمستقبل الوظيفي career ولها القدرة والمعرفة كأن تصعد السلم المهني والاجتماعي، بما تسلحت به في الدول الغربية، ومرورا بمدرسة لندن الاقتصادية، وصلت محطة يتمناها ملايين البشر صندوق النقد الدولي!! نعم هي عملت بصندوق النقد الدولي من ديسمبر 1988م وحتى يونيو 1991م وقابلت صابر محمد حسن في الصندوق ويعرفون بعضهما البعض حق المعرفة. ومع انكسار حدة الإسلاميين بدءا من عام 2000م قدمت عابدة للسودان ولحسن حظها وجدت مبارك الفاضل فصعدت على من تنظيمه لتصبح وزيرة دولة للمالية من أكتوبر 2002م وحتى ديسمبر 2004م واستقالت مع استقالة مبارك الفاضل. ولكن في مارس 2005م أسست مع صابر محمد حسن شركة تسمى unicons وهي اختصار للكلمتين united consultants، وعلى ذلك أصبحت تدير شؤون الدولة من منازلهم أو شركاتهم..في تماس تام مع بنك السودان ومؤسسات الأمم المتحدة مثل الصندوق والبنك الدولي ووكالة التنمية UNDP، فتحصل شركة unicons على مردود مالي ضخم عبر عمل الدراسات المحلية (بنك السودان) والدولية (الأمم المتحدة) خاصة إنها متخصصة في علم ال econometrics، ومع ذلك لم يسعفها الماجستير من الLSE أو علمها في ال econometrics في اكتشاف علة الاقتصاد السوداني، وهكذا تحول الاقتصاد السوداني على يديهما إلى علم آثار archeology ينقبون عن أساب الفقر وإلى اليوم لم يجدوها..وبالرغم منذ يحصل صابر محمد حسن على وسام الجمهورية من الطبقة الأولى!! ولا نحملها كل المسؤولية فهي أتت متأخرة ولكن الصمت أو المجاراة يدينانها!! فماذا كان رأيها في كون وزارة المالية لا ولاية لها على المال حتى تناقصت إلى إدارة فقط 17% من موارد البلاد؟؟ الأستاذة عابدة المهدي ما فتئت تكرر في الصحف أو في ندواتها أن منصرفات الدولة السودانية عالية جدا..حتى ذكرت ذلك في دراسة قامت بها لجامعة نيويوركية، ولكنها صمتت ولم تنتقد تجريد وزارة المالية من ولايتها على الموارد المالية، وهذه نقطة لا تحسب في صالحها.
أما الدكتور حمدي لم يكن جبانا ولم يكن برجماتيا حين وقع تلك الورقة لطغمة النميري التعيسة معلنا انسحابه عن العمل السياسي الإسلامي عام 1969م، فهو بالتأكيد رغب أن يغلق ملفه السياسي بعد أن عانى كثيرا من الغوغائية والنفاق السياسي داخل الحركة الإسلامية، وهو خريج بيت، كما وضح من تلك الحوارات، بيت علم وفضل وعطاء، فلا ينقصه شيء، ولا يستطيع أن يزايد عليه أحد. فشغب الإسلاميين وتهافتهم كان واضحا في قضية فصل أعضاء الحزب الشيوعي من البرلمان، وكذلك كان واضحا فراغ الإسلاميين في تلك الحقبة من أي محتوى فكري إسلامي حقيقي، ولم تتجاوز القضية الدينية ذلك الهوس بالشعارات!! فالرجل أغلق ملفه السياسي وأرتاح في لندن وأهتم بنفسه وبعائلته وعمل ببنوكها وطور خبراته وموهبته الاقتصادية، ولم ينافق ربه أو مخلوقا في جبهتهم تلك الإسلامية. وأعتقد أنهم هم الذين احتاجوا له عام 1991م لكي يدير لهم دفة الاقتصاد، وقطعا لم يذهب إليهم برجليه، هذه بديهية!! ولكنهم لن يتركوه، فبالتأكيد هنالك من الإسلاميين “المجاهدين” من وقف ضد تعيينه وزيرا للمالية..!! وتمضي الأيام وتثبت أن الدكتور حمدي كان على حق، فبدلا من أن تنتج الحركة الإسلامية مفكرين إسلاميين من الطراز الأول ولدت لنا هذه الفئران!! ولقد تعروا تماما ووضح حجمهم الحقيقي بلا رتوش حين يرصد المرء دولة المؤتمر الوطني بحسبانها خيرة الإسلاميين، ألم ينقلبوا على شيخهم على أنهم الصفوة الخيرة التي ستنقذ البلاد!!

وضع لهم الدكتور حمدي أول لبنات الإصلاح الاقتصادي مع محافظ بنك السودان الشيخ سيد أحمد الشيخ، أي البرنامج الثلاثي للإنقاذ الاقتصادي 1990-1993م، ويتضمن نقاط أخرى ستقرؤها لاحقا، ولكن هل كان يتضمن البرنامج شيئا من التحرير بمفهوم أو شروط صندوق النقد الدولي كما أشرنا أعلاه، أي برنامج التكييف الهيكلي structural adjustment programs، لعل هذا السؤال يجيب عليه الدكتور حمدي والشيخ سيد أحمد الشيخ!! ولم نقرأ أي تعليق من الدكتور حمدي حتى اليوم يتعلق بتجريد وزارة المالية من ولايتها على كافة موارد السودان حتى تناقصت هذا الولاية إلى 17%، وفي هذا الحالة كيف يمكن لوزير المالية أن يتسنى له إدارة العملية الاقتصادية برمتها أي إدارة ما يسمى الاقتصاد الكبيرmacro economy؟ هذا التجريد سبق قدوم حمدي بفترة طويلة.

لنبدأ بشهادة أول وزير مالية للإنقاذ د. سيد علي زكي (ولا يتبع الحركة الإسلامية) وهي أهم شهادة على الإطلاق, لقد أحتل موقع وزير المالية لتسعة أشهر من يونيو 1989م (وربما قبل ذلك) وحتى ابريل عام 1990م..وبعد ذلك بقي المنصب فارغا..وحتى قدوم د. حمدي في عام 1991م.
لنقرأ ماذا حدث في الفترة الأولى وماذا يقول الدكتور سيد علي ذكي نقلا من صحيفة الرأي العام أول يونيو 2011م في الفقرات التالية.

ليست هنالك مضايقات بقدر ما شَعرت بوضوح بأنّ هنالك جهات خارجية مسيطرة على عمل الحكومة، وأكبر مُشكلة تُواجهنا أن نستمع لناس لا يوجد أحد منهم داخل هيكل الدولة المؤسسي لحكومة الثورة أو مجلس الوزراء، فَقد كَانت تَصدر قرارات عبر لجان حزبية أو ما يسمى بشورى الثورة التي لديها رأي في أداء الموظفين.

بالنسبة للاستقالة أو ترك العمل، كان هنالك الكثيرون من يرون إنني لماذا استمر مع هؤلاء وأنا لست منهم أو من حزبهم فأنا من أسرة حزبية معروفة، وهنالك من يرى ضرورة أن أستمر في عملي كموظف عملت بالدولة لمدة (23) عاماً حتى أصبحت وكيلاً لوزارة التخطيط، ولكن (هم) لم يكونوا حريصين، كانوا يُريدون شخصاً منهم أو ينفذ سياساتهم وهذا لم يتضح في الأول وإنما اتضح في الآخر. أضاف: في منتصف مارس 1990م كنت أُحَضِّر لاجتماعات الربيع لصندوق النقد الدولي، ولكن صدرت قرارات بمصادرة معظم الأدوات التي تعمل بها وزارة المالية مثل الاستثمار، حيث تم تكوين وحدة للاستثمار خارج وزارة المالية، والجمارك حيث أصبحت تتبع لوزارة الداخلية، والضرائب أنشئت لها إدارة خاصة، وكذلك الحال للزكاة، وبالتالي أصبح وزير المالية يفتقر للأدوات التي يدير بها الاقتصاد، بل سلبت منه منذ ذلك التاريخ وحتى الآن، بل أصبحت ولاية وزارة المالية على المال العام تشمل فقط (17%) تحت ولايتها، ولذلك أنا ما كان ممكن أن أستمر، بل تقدمت بخطاب لمجلس الوزراء أوضحت فيه أن وزارة المالية سلبت منها أدوات إدارة الاقتصاد والولاية على المال العام وسلمته (الخطاب) للمجلس، وأصبح لا يعنيني في شيء أن يسمى هذا استقالة أو إقالة.

ليس هنالك رد على الخطاب، ولكن أمكن كان أول تعديل وزاري خرجت فيه، مع بعض الوزراء غيري كالأخ د. علي شمو.

لست نادماً (على الاستقالة أو الإقالة)، فأنا أولاً: لم أعيّن تعييناً كما يحدث الآن، وإنما تم اختياري لكفاءتي وخبراتي، حيث كنت وكيلاً لوزارة التخطيط وعملت في الخدمة المدنية لـ (23) عاماً. انتهى كلامه هنا.

ونقول: سلْب وزارة المالية من أدواتها في إدارة الاقتصاد القومي ليست هي البداية لاقتصاد ميت، بل يحيل الحال إلى نفي وجود نظام اقتصادي في السودان!! ونشرح الحالة بمثلين: كأن تلغي وظيفة المخ في كائن حي وتتمثل عبر التغذية الراجعة في التنسيق بين الأعضاء، والسيطرة على الموارد (الجلوكوز، الأحماض الأمينية الخ) وتحصيصها، الضغط وحجم وسرعة دوران الدم، والسيطرة على مؤشر كيميائية الدم pH 7.4 (وتشبه السيطرة على مؤشر معدل التضخم) الخ. أو أن مدير مالي في شركة ضخمة لا يسيطر إلا على 17% من عملياتها، أي من الداخل والمنصرف، أما بقية ال 83% فتديرها الأقسام الأخرى للشركة بمزاجها، كأن تحصل المدخولات أو تصرف كما يشاء لها بدون علم المدير المالي!!

وإذا ذهبت بعيدا مع المثلين أعلاه بخيالك ففي حالة الكائن الحي، كأن يعمل كل عضو بمزاجه تصبح كارثة بمعنى الكلمة..فمثلا حين يفرز البنكرياس بدون رقيب أو حسيب ولا رادع ما شاء له من الأنسولين يسقط كائننا الحي بإغماءة فورية – هبوط في السكر hypoglycemia!! وفي حالة الشركة قد تتآمر إدارة الإنتاج والتسويق مع إدارة قسم المشتريات يلهطون دخل الشركة في مشتريات وهمية، ويصبح قسم التوظيف personnel عاجزا كأن يدفع رواتب عماله وموظفيه..والمدير المالي لا سلطه له على الإدارتين!!

هذا هو واقع الاقتصاد السوداني..فبتقليص وإلغاء دور ووظيفة وزارة المالية..أصبحت موارد السودان القومية رهينة لكانتونات، وداخل هذه الكانتونات عشعشت اللوبيات الاقتصادية، لا رقيب ولا حسيب عليها. فإذا نزعت من وزارة المالية كل دخل الجمارك وأعطيته لوزارة الداخلية هذا إضافة إلى أتاوات وزارة الداخلية نفسها من جباية مرور وترخيص، وجوازات وتأشيرات خروج وما لا أذكر وما لا يحصى، كلها تذهب إلى امتيازات الضباط الكبار أثناء الخدمة وفي المعاش الخ بينما الشرطي الصغير أو الضابط الصغير يدفعون له ملاليم ويقولون له “تصرف”. إذن من أين تدفع وزارة المالية للتعليم والصحة والمواصلات والمياه النظيفة الخ؟

وما تجمعه الدولة من ضرائب مباشرة وغير مباشرة..أخذ يصب في هيئة خاصة وليس في حصالة وزارة المالية!! وما يتم تجميعه من أموال هو رقم سري لا تعرفه سوى رئاسة الجمهورية!! ورئاسة الجمهورية بمزاجها تحدد أين تذهب هذه الأموال..وماذا “يتبقى”، وما يتبقى يكتب كرقم في “الميزانية العامة”، بعد أن يخصموا كل ما يرغبون أو يشتهونه من أموال لتمكين أنفسهم في السلطة أو لامتيازاتهم ومخصصاتهم الخ!!

وأما ما يجمعونه من زكاة هو أيضا أحد الأرقام السرية، وبعد أن يستقطعوا من خمس “القائمين عليها” ما يرغبونه لامتيازاتهم ورواتبهم ومخصصاتهم مثل عربات البرادو، وغير البرادو لمطاردة الضحايا لبلوغ مقدار “الربط” الخ، كذلك يعطون حزبهم ودفاعهم الشعبي أيضا من أموال الزكاة، وقطعا بعد أن يفتي لهم “أحدهم” أن “خمس الله” يجوز صرفه في دعم تطبيق الشريعة (السلفية)، فيكون سعد أحمد سعد صاحب الصندوق إياه نائم على منجم ذهب هذا غير ما يجمعه من عصافير من دول الخليج ومع ذلك يشكو أنه موضوع على الرف!!

ويعتبر “كانتون البترول” هو الأكبر وهو الأكثر دسما، ويجب أن يتحلى وزير البترول بالإخلاص والطاعة وأن يكون ثقة، ويجيد الصمت..وبطنه دفينة ولا بأس أن يكون تاريخه مايوي!!

ولكن بلا شك أنشئت المئات من “الدكاكين” الصغيرة الني تسمى “هيئة” أو “مجلس” بشكل موازي لكل وزارة، وكأنه لا يكفي أن تتمرد كافة الوزارات على وزارة المالية، فتتمرد هذه الهيئات الموازية أيضا على الوزارة لتي تخصها وأقرب مثال للذهن هيئة الحج والعمرة مع وزارة الأوقاف، وفي الغالب يجب أن يكون الموقع المخطوف بقرة سمينة تدر لبنا كثيرا. .

خلاصة هذه المقالة هي… لماذا وكيف تدنت رعاية الولاية على المال العام والموارد النقدية لوزارة المالية الاتحادية وتدنت حتى أصبحت 17% مما كان عليه قبل الإنقاذ؟ ونواصل في المقالة التالية…

شوقي إبراهيم عثمان
كاتب ومحلل سياسي
[email]shawgio@hotmail.com[/email]