إنَّه العجز وربِّ الكعبة بل إنها الغفلة عن تحديد الكيفيَّة التي نتعامل بها مع دولة جنوب السُّودان.. تلك الغفلة التي جعلتنا نضيِّع أكثر من خمسين سنة من عمر السُّودان قضيناها ونحن مستمسكون بحمل كاذب تعلَّقنا به وعلَّقنا عليه كل آمالنا.. حمل كاذب بجنين سراب زرعناه في خيالنا وسمَّيناه (الوحدة) صرفنا عليه دماءَ قلوبنا وأهدرنا فيه مواردَنا ودمَّرنا به ماضينا وحاضرَنا ونوشك أن ندمِّر به مستقبلَنا جرَّاء أخطاء فادحة لا نزال نرتكبها.
عجز عن رسم إستراتيجية للتعامل مع عدو مبين وشيطان مريد يحمل مشروعاً بل إستراتيجيَّة لا تتغيَّر ولا تتبدَّل ظلَّت تعمل على استئصالنا هويةً ووجوداً ولا يزال دعاتُها يعملون على إنفاذها من خلال تنظيماتهم السياسيَّة ومسانديهم في الداخل والخارج.
يا سبحان الله.. الحركة الشعبيَّة التي تحتل أرضَنا وتعمل على إلحاق الأذى بنا وتُروِّع مدنَنا وقرانا وتستنزف مواردَنا هي التي تُحتضر وتكاد تموت جرَّاء الخلافات التي تُمسك بخناقها بدون أي تدخل منا!!
أخبار الأمس تتحدَّث عن انشقاق وشيك يُهدِّد الحركة وعن حركة جديدة تحمل اسم (الحركة الشعبيَّة الحديثة) يقودها باقان أموم كبير أولاد قرنق وراعي مشروع السُّودان الجديد بعد مصرع عرّابها الأكبر قرنق كما تتحدَّث عن تحرُّك يقوده سلفا كير يحاول من خلاله الاستقواء بعدو الأمس لام أكول قائد حزب الحركة الشعبية التغيير الديمقراطي.. تملمُل خطير يقودُه عدد من القيادات الناقمة على سلفا كير وفيهم بالطبع مشار وتعبان دينق وحاكم البحيرات الذي عُزل مؤخراً كول ماريال ودينق ألور وبقيَّة أولاد أبيي وكوستا مانيبي وعدد آخر من الجنرالات هذا فضلاً عن الحرب التي تدور رحاها في بعض الولايات المهمة مثل جونقلي.
إذن فإن الأرض تميد من تحت أقدام سلفا كير وبالرغم من ذلك يواصل الجيش الشعبي اعتداءاته علينا ويحتل المشروعات الزراعيَّة ويروِّع مواطنينا ولا يزال يحتل ست مناطق من أرض السُّودان هذا بالإضافة إلى ما يحتله عملاؤه في الجبهة الثوريَّة المكوَّنة من قطاع الشمال وحركات دارفور المسلحة التي (سمكرت) في جوبا على حد تعبير الفريق أول محمد عطا.
إننا نحتاج إلى أن نرسم إستراتيجية جديدة في التعامل مع دولة جنوب السُّودان تقوم على مبدأ العزَّة والكرامة بدلاً من حالة الخنوع والانبطاح التي ظلَّت تلازمنا على مدى الخمسين عاماً الماضية بدءاً من مرحلة استمطار الماء من سراب الوحدة وجني العنب من أشواك الزقوم وانتهاء بمرحلة استجلاب السلام من ضرع الحركة الشعبيَّة الذي لا يُنتج إلا الدماء والأشلاء.
(فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ) هذا قول ربّنا سبحانه لا قول المنبطحين الذين لا يعرفون معنى العزَّة والكرامة.
إنها المرجعيَّة التي تبنَّتها الدولة قولاً لا فعلاً حين أعلنت عن حاكمية الشريعة الإسلاميَّة ولكن متى كانت الشريعة قولاً لا فعلاً ومتى كان الإيمان مجرد (ما وقر في القلب) بعيداً عمَّا يصدقه العمل؟!
اقتلعوا الحركة الشعبيَّة فوالله إنها تكاد بدون تدخل منا أن تلفظ أنفاسها الأخيرة.. اقتلعوها من حكم الجنوب قبل فوات الأوان لتنعموا بسلام دائم مع من يخلفها ممَّن يحرصون على الجوار الآمن واعلموا أنَّ تحرير جوبا هذه الأيام من الحركة الشعبيَّة بكل رموزها بمن فيهم سلفا كير رغم اختلافه مع باقان وأولاد قرنق.. أنَّ تحرير جوبا أسهل بكثير من تحرير كاودا وأن الطريق نحو كاودا وأن القضاء على الجبهة الثورية يمر عبر القضاء على الحركة الشعبيَّة في جوبا وبعدها وعندها سيعلم موسيفيني أن اليد التي طالت جوبا بمقدورها أن تقتلعه من حكم يوغندا.[/JUSTIFY][/SIZE]
الطيب مصطفى
صحيفة الإنتباهة
