مقالات متنوعة

‫كما في كل عام

[CENTER][B][SIZE=5]‫‫‫‫‫كما في كل عام [/SIZE][/B][/CENTER] [SIZE=5] وكما في كل عام يأتي الخريف … كما في كل عام يأتي العيد …
يأتيان في مدن أخرى ليست كالخرطوم ولن تكون مثلها في يوم من الأيام … مدن يسمع بها أسرى الغرف الضيقة والمكيفات ولكن لم يتخيل أحدهم كيف تكون ولا كيف يبدو سكانها … مد
ن لم يخترها حاكم تركي أحمق لتكون العاصمة لمجرد إن النيلين يمتزجان عندها دون مراعاة لأي شئ آخر … وعندما يأتي الخريف ، يأتي النداء لكل الكائنات .. للطيور في السماء وللبذور في باطن الأرض ولأوراق الأشجار وسنابل الذرة … للسحاب وللوديان أن هلمي للحياة ، فتفرد الطيور أجنحتها وتسافر وتخضر الأشجار وتسيل الوديان ويمرح السحاب من فوق الجميع … ومثل كل الكائنات يأتيك النداء .. يأتيك شفيفا مع أول نسمة في المساء ويناجيك لتعود ..تعود إلى أين ؟ تعود لتجري حرا تحت الرزاز .. تعود لتبني بيتا من الطين وتعرشه بالقش والأعشاب والورق النضير … يهمس لك هيا إرجع ، ولكنه يجدك مكبلا بألف قيد وقيد .. يجدك بعيدا عن البيت .. يجدك وحيدا بدون رفاق الصبا .. يجدك وقد كبرت … وكما يأتي الخريف ، يأتي العيد .. تعرفه من رائحة فجره البارد وصوت التكبير الرخيم .. الله أكبر ولله الحمد .. كلمات تنتزعك من زمانك ومكانك لتعود بك إلى عهد سحيق .. كلمات تخترقك وتصل إلى أعمق أعماق الذكريات لتنتزعها وتضع أمام عينيك صورة طفل يصغي لمايكرفون الجامع وتضع في أنفك رائحة ملابس العيد الجديدة .. رائحة الخبيز والبخور الذي لم يخفي رائحة الغبار الناتج عن نفض الستائر … وحين يأتي العيد مع الخريف يتضاعف الحنين ليخنقنك خنقا … يتنازعان بينهما ليخرجا من أعماقك ذلك الطفل الشقي الذي يحب الحياة ولكنك تتوسل إليهما أن يتركاه .. تخاف ألا يعود .. فيتركانك ويرحلا .. ربما لا يعودا سويا ولكنهما حتما سيعودا … تعود إلى عملك بخاطر كاسف بينما هناك أغنية قديمة تتردد .. كانت لحظات ما أحلاها .. من عمر سعيد ما أحلاها … جنة الأطفال .. تتسمر في مكانك لتسرق لحظات من زمن العمل لتستمع ولكن أحدهم أمسك بالريموت وغير القناة وهو يردد كلاما ما عن برامج الأطفال .. تتمنى لو تمسك بالتلفاز وتهشمه على رأسه ، ولكنك تتراجع وفي داخلك طفل يبكي بدموع حارة رفضت أن تجد طريقها إلى العيون .. فتنساب في الدم والأعصاب لتصل إلى اناملك .. فتكتب

[/SIZE]

الكاتب الساخر : د.حامد موسى بشير