تحقيقات وتقارير

حوار «المنطقتين».. استعداد حكومي ..

[JUSTIFY]كان وزير الخارجية علي كرتي في منتهى الصراحة وهو يعلن عقب اجتماعه بنظيره النرويجي يورقا براندي أنه لا خيار غير التفاوض لحل أزمة المنطقتين «جنوب كردفان والنيل الأزرق»، مبدياً في ذات الوقت استعداد الحكومة للتفاوض وهو ذات الرأي الذي مضى إليه الضيف النرويجي الذي دعا لضرورة مواصلة الحوار السياسي بين الحكومة وقطاع الشمال لحل الأزمات الإنسانية بالمنطقتين – حد قوله – وواضح أن خطى متسارعة مضت في ذات الاتجاه من جانب قطاع الشمال بإعلان الأمين العام لقطاع الشمال ياسر عرمان في حديثه للزميلة التغيير أمس تلقيهم دعوة من الآلية الأفريقية رفيعة المستوى التي تقوم بدور الوساطة بينهم والحكومة لانعقاد المفاوضات في الخامس من فبراير المقبل بأديس أبابا
ويلاحظ أن هناك عدة مبررات تستدعي اتجاه الحكومة للتفاوض طالما هناك ترحيب من الطرف الآخر الذي استنكرت عليه الحكومة لجوءه لجهات أخرى للشكوى من تأزم الأوضاع في المنطقتين دون التفاوض لحل المعضلة معهم.. وأولى الدواعي هو الاتجاه العام الذي توطن لدى الحكومة بضرورة بذل كل الجهود من أجل الحوار والحلول السلمية وإخماد نيران الحرب.. ونذكر هنا أن أبناء جنوب كردفان أبدوا تذمرهم قبل فترة من عدم مراوحة الأوضاع لمكانها في ولايتهم، بل اتهموا قيادات بينهم بتأجيج نيران الصراع.

ثانياً:

إن الفرصة سانحة للحوار لجهة أن الحكومة ستستفيد من انشغال دولة الجنوب بمشاكلها الداخلية التي مزقتها وجعلتها على شفا هاوية.. ومعلوم أن جوبا ظلت تقدم الدعم اللا محدود للجناح العسكري للقطاع، بل إن الفرقتين التاسعة والعاشرة خرجتا من صلب الجيش الشعبي الجنوبي، وفي انشغال الجنوب سانحة بتليين مواقف قطاع الشمال وإن كان من الصعوبة بمكان إغفال الجسور التي تربط بين القطاع ودول غربية.

ثالثاً:

إن النظام الجنوبي ممثلاً في رئيسه سلفاكير ميارديت بات من الأوفق له أن يأمن شر أي قوة مسلحة في المنطقة، غير متناسين أن الجبهة الثورية وتحديداً حركة العدل والمساواة دعمت بداية رياك مشار التيار المناويء لسلفاكير وتأرجح موقفها لاحقاً.

رابعاً:

إن الحكومة في ظل التغيرات التي أجرتها داخلياً أثبتت جديتها في التحول بعد أن شمل التغيير كافة مستويات الحكم المركزية وبذلك باتت في موقف قوة مما يعزز من فرصها في التفاوض، وذات القوة لدى الحكومة ازدادت من خلال استنجاد جوبا بها في حربها مع متمرديها، ويكفي أن الرئيس البشير كان من أوائل الرؤساء الذين وصلوا جوبا لحلحلة المشكل، فضلاً عن أن المبعوث السوداني السفير محمد أحمد الدابي كان الوحيد الذي شهد حفل توقيع وقف العدائيات بين الفرقاء الجنوبيين في أديس أبابا، بجانب الوسيط الكيني لازاراس سيمبويا ووزير الخارجية الأثيوبي، وكلها علامات قوة تستدعي من الحكومة الذهاب للتفاوض و«بقلب قوي».

خامساً:

إن الحكومة ستذهب للتفاوض وباطمئنان كون خصومها من الجنوبيين الذين يمثلون مصدر إلهام وقوة لقطاع الشمال يقبعون خلف القضبان بدولة الجنوب أمثال باقان أموم الذي يعد خميرة عكننة بالنسبة للخرطوم رغم انفصال دولته وليس بعيداً من ذلك علاقة أموم بحركات دارفور.

سادساً:

إن قطاع الشمال يعتبر المهدد الحقيقي لاستقرار السودان وجارته الدولة الجنوبية والحرب الدائرة في الأخيرة أثرت على الأوضاع بشكل كبير في جوبا وانتقلت تأثيراتها للخرطوم من خلال تدفق اللاجئين وتأثر مناطق البترول بعض الشيء.

سابعاً:

إبداء الحكومة استعدادها للتفاوض يبعد عنها تهمة شبح التعنت التي كان يدمغها بها المجتمع الدولي الذي ظل يكرر مقولة إن الحكومة غير راغبة في الحوار ويقترن ذلك مع رفض سابق من جانبه بإغلاق باب التفاوض مع قطاع الشمال.

ثامناً:

استعداد الحكومة للتفاوض رسالة تطمين لأبناء المنطقتين الذين طالبوا مراراً بالتفاوض كونهم «وطئوا جمرة الحرب»، وفي ذات الوقت تتسق الخطوة مع الحديث الشامل عن السلام والحوار الذي ظل يجري على كل لسان.

تاسعاً:

إن قطاع الشمال نفسه ربما يكون أيقن في قرارة نفسه أن حمل السلاح لن يوصله لغاياته وأهدافه وإن كان وسيلة للكسب السياسي، فضلاً عن أن تأخر القطاع من الجلوس في طاولة التفاوض قد يخسره الكثير لا سيما وأنه لا يعلم ماذا تخبيء له الأقدار فيما يلي الأزمة الجنوبية والتي هو – أي القطاع – معني بها بشكل كبير ومباشر.

أخيراً:

سبق للأمين العام للقطاع ياسر عرمان أن ارتكب خطأ فادحاً في أكتوبر الماضي، حيث انتابته حالة من عدم التوازن عندما وصف الاتفاق الذي أبرم وقتها بين الخرطوم وجوبا في أعقاب زيارة سلفاكير ميارديت للبلاد بـ «الفاشل»، حيث اعتبر عرمان وقتها أن «الاتفاق تجاوز القطاع ولم يفسح مجالاً لحل قضاياه مع الحكومة السودانية» مما يستدعي من القطاع تصحيح تلك الخطوة، بل إن الراهن الجنوبي الآن يجبر القطاع على ترتيب أوراقه بشكل جديد.

قرير : أسامة عبد الماجد :صحيفة آخر لحظة [/JUSTIFY]