كوش نيوز .. أخبار السودان بين يديك

د. حسن مكي : مصطلحات قديمة في أوعية جديدة



شارك الموضوع :

[JUSTIFY]من المصطلحات التي شاع استعمالها في هذا الظرف مصطلح (وسطية) وهو مصطلح مبهم ومع أن كلمة وسطية نفسها كلمة مستمدة من القرآن الكريم. وكلمة (مباركة) وردت في القرآن الكريم في عدة مواقع ففي سورة العاديات نجد قوله تعالى (فوسطنا به جمعاً) وهي إشارة للخيل حينما يتوسط الخيول، ولكن الآية التى يستشهد بها ما يسمى بدعاة الوسطية هذه الأيام هي قوله تعالى (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ) البقرة الآية 143. والوسطية المقصودة هنا هي وسطية الأمة المسلمة بين كل الأمم وهي وسطية الجغرافيا والتاريخ باعتبار أن هذه الأمة برزت في منطقة وسطية وهي منطقة الجزيرة العربية هي المنطقة التي شهدت معظم الرسالات السابقة سواء كان أنبياء بني إسرائيل أو انبياء العرب مثل عاد وثمود وصالح أو ما دون ذلك.

فهذه الآية لا تتكلم عن فريق من الأمة بأنه فريق الوسطية ولكنها تتكلم عن الأمة بكل مدارسها وبكل فئاتها، فهي وسطية الوسط الجغرافي وسطية التاريخ باعتبارها خاتمة الرسالات، وهي وسطية خطاب ما بين اليهودية والنصرانية ولا علاقة لها بما يشاع الآن بأنها الوسطية التي ضد التطرف والغلو. فالسلفيون مثلاً لديهم مفهوم للتدين يريدون أن يكونوا هم الأمة الوسط والمتصوفة لديهم مفهوم للتدين أيضاً ولأنهم بعيدون عن الغلو والتطرف يريدون أن يسجلوا هذا المصطلح لهم.

ولكن هذا المصطلح مصطلح لا يختص بهؤلاء ولا أولئك ولكن يختص بكل الأمة المسلمة إلى يوم القيامة، فكل من يقول (لا إله إلا الله محمد رسول الله)، يدخل فى مصطلح الوسطية.

وكذلك كلمة وسط وردت في السنة ففي صحيح النسائي (وخط في وسط الخط خطاً). وكذلك في صحيح مسلم (فسل له الفردوس وسط الجنة). والوسط يعني في كل ما ذكرناه بين الجيد والردئ وعندما نقول الحديث الوسط فإن الوسط في سلم الجرح والتعديل هو الحديث الذي ليس اهلاً للاحتجاج به.

والوسطية يعتقد الناس أنها آصرة جيدة فهي حديث في سلم الجرح والتعديل يأتي الوسط بأنه الحديث الذي ليس اهلا للاحتجاج به. اذن فإن الوسطية كلمة عامة ومطلقة وكل انسان يريد ان يصف نفسه بها، ولكن إذا عدنا للوسطية، فإن كل المسلمين هم أهل الوسطية وهذا لا يعطيه صفة أو اكرام ولا يجعله فى مقدمة الركب لأن كل أهل الإسلام من أمة الوسط على اختلاف درجاتهم فى التدين واختلافهم في التقوى منهم من هو في الفردوس الأعلى ومنهم من يذهب إلى النار. ولكن كل هؤلاء هم من أمة الوسط باعتبار الوسط الجغرافي والوسط التاريخي وباعتبار وسطية الإسلام ما بين الأديان الأخرى.

وكذلك هذا المصطلح الذي يستخدم ككناية عن الاعتدال وضد الغلو والتطرف وكذلك ضد ما يسمى بالإرهاب فمن العجيب أن كلمة الإرهاب نفسها ليست كلمة رديئة بل هى كلمة مباركة وردت في القرآن الكريم منها قوله تعالى (وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآَتَيْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ) والراهب من الرهبانية كذلك هو الذي ينذر نفسه للعمل الإسلامي وكذلك قوله تعالى (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ).

وبما أن المسلمين يستطيعون أن يرهبوا عدو الله وعدوهم فإن كلمة الإرهاب نفسها ليست كلمة سيئة ولكن الإشكال الآن أن الذين يتوددون إلى الغرب ويتوددون إلى القوى الكبرى ويريدوا أن يبسطوا مفاهيم مؤسسة راند الأمريكية التي أصبح لها فهم في الاسلام وتريد أن تربط الاسلام بالديمقراطية هم الذين يريدون أن يبسطوا هذا المفهوم ويقولون إن الإسلام ضد التطرف وضد الغلو.. ولكن ألا يوجد فرق بين الغلو والتطرف والمقاومة؟ هل يجوز أن نطلقه على حركة حماس مثلاً كما فعلت أمريكا وتسير في ركابها بعض الدول العربية وهي حركة مقاومة ضد العدو الصهيوني.

وفي الإسلام: من مات دون ماله فهو شهيد ومن مات دون عرضه فهو شهيد. فهذه حركة تقوم على الجهاد فهل من مقومات الوسطية إبطال الجهاد..

ثم إننا نعيش في عصر ما بعد سقوط الخلافة الإسلامية وهناك ظلم واقع على المسلمين في كثير من المناطق سواء كانت مناطق الأقليات أو غيرها، فإذا كانت أمريكا مثلاً تطلق على بعض الحركات كحركة النصرة في سوريا أو حركات المقاومة الإسلامية في العراق أو غيرها مصطلح حركات إرهابية بمعنى أنها حركات ضد مبادئ امريكا في الديمقراطية وضد وجود إسرائيل.. فهل يجوز لنا أن ندمغ هذه الحركات بالإرهاب لمجرد أن الآخر يدمغها بذلك وهل تجمعت الأمة الإسلامية في مؤتمر جامع وعرّفت ما هو المقصود بالوسطية لأن هذا المفهوم إذا ترك هكذا دون تحديد ودون ضوابط ودون تنزيل على الواقع بضوابط فقهية أو ضوابط شرعية فإنه يصبح كالفخ أو المصيدة كل ما لا يعجبك تدمغه بهذا المفهوم..

والعالم الآن يموج بالصراع الحضاري وهو أيضاً حرب وهذه الحرب مقوماتها وأدواتها ووسائلها الإعلام ولذلك الإعلام حينما يدمغ بعض الحركات الإسلامية بأنها إرهابية وحينما يعرف الإرهاب بأنه الحركات الخارجة عن القانون والحركات التي تستحق أن تنفى في سجن باغرام وغوانتنامو وغيرها فيجب على الشعوب الإسلامية أن تقف وتتحرى وأن لا تنجرف فى تعريفات مستوردة من الخارج.

ومن المصائب أننا اصبحنا وكما نستورد السلع الاستهلاكية والحضارة أصبحنا نستورد المصطلحات ونسقطها على الواقع فنظلم انفسنا ونظلم تاريخنا ولذلك فإن مفهوم الوسطية الذي تدعي بعص الجماعات الاسلامية أنها فقط من يملكه من تريد فإن في ذلك شططاً وخطأ كبيراً وهذا المصطلح قديم وله جذور فالأولى أن نعود الى القرآن الكريم وكتب السنة والثقافة الإسلامية والاجتهاد حتى يتم تحقيق المصطلح وحتى يتم تحقيق الخلاف وحتى يتم تنزيله فى الوضع المطلوب.

صحيفة الصيحة
ع.ش[/JUSTIFY]

شارك الموضوع :

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

سودافاكس