تحقيقات وتقارير

قوى المعارضة والبحث عن حريات مطلقة !

[JUSTIFY][SIZE=5]فى مسعى هو بالتأكيد خاطئ وغير منصف حاولت بعض قوى المعارضة السودانية فيما يبدو (اختبار) التربة السياسية الجديدة بعدما طرح الحزب الوطني وثيقته الاصلاحية الاخيرة فى يناير الماضي والتى دعا فيها الى حوار سياسي شامل لا يستثني أحد. المأخذ الموضوعي الذي يمكن أن يأخذه أي مراقب على هذا الاختبار يتكون من شقين:
الشق الاول يتصل بالعقيدة السياسية نفسها لقوى المعارضة التى قادت هذه التجربة، على اعتبار أن هذه القوى المعارضة لم تؤمن من الأساس بدعوة الوطني للحوار؛ ليس ذلك فحسب ولكنها نددت علناً بالقوى التى سارعت بتلبية نداء الوطني واعتبرت إن تلبيتها لهذه الدعوة بمثابة شق لصفوف المعارضة وتقوية للوطني فى هذه الظروف البالغة الدقة.

كيف لمن يؤمن بمبدأ الحوار ولم يتحلّ بالثقة المناسبة الخوض في غمار هذا الحوار، أن يعود من النافذة باحثاً عن ثمار الحوار وفوائده الايجابية الجمّة؟

الشق الثاني ان قضية الحريات بصرف النظر عن النظام القائم ودرجة اطلاقه لهذه الحريات أو حتى مدى إيمانه بها هي قضية قانون من الدرجة الاولى، وهو أمر متعارف عليه فى كل أركان الدنيا وفى أعرق الديمقراطيات المعروفة دولياً فى أرقى الدول واكثرها احتراماً للحريات، ولسنا فى حاجة لتعداد نماذج وأمثلة ولكن يكفي أن نعلم أن كل حقوق الافراد والجماعات السياسية ومنظمات المجتمع المدني فى كافة ارجاء المعمورة تحتكم الى قانون، ولهذا فحين تزمع أي قوى سياسية إقامة اي لقاء جماهيري أو ندوة سياسية، فإن من الطبيعي، بل والمطلوب ان تأخذ التصديق اللازم.

ولعل المفارقة هنا أن ذات هذه الاحزاب خضعت للقانون فى تكوينها وإنشائها وضرورة تسجيلها لدى مسجل الاحزاب السياسية، وتخضع للقانون فى عقد مؤتمراتها العامة ونظامها الأساسي وانتخاب مكاتبها السياسية؛ وتضخع للقانون فى مراجعة أدائها المالي سنوياً، بل إن من سخريات القدر أن ذات قادة واعضاء هذه الاحزاب فى مناسباتهم الخاصة يحرصون على الحصول على تصديقات قانونية بإقامة مناسبة خاصة ويلتزمون بالشروط والوقت المقرر لذلك، فما الذي يعيب الخضوع للقانون فى إقامة ندوة جماهيرية؟

وحتى ولو قلنا إن السلطات المعنية بالتصديق قد تأخرت فى الاجابة على طلباتهم فإن هذا التأخير دون أدنى شك لا يعني مطلقاً (أخذ القانون باليد) إذ ليس الأمر هنا يمكن أن يقاس بفرضية الفعل ورد الفعل واستدعاء عضلات التحدي وتسلق أسوار القانون.

لم يكن هذا الاختبار والتحدي مناسباً فى ظل المناخ السياسي السائد، إذ من المحتم أن الجميع الآن يبحث عن مناخ ديمقراطي قائم على القوانين والقواعد المحترمة؛ وما من مواطن سوداني يبحث عن الفوضى، فلو أن الحبل تُرك على الغارب هكذا لتضج الأرجاء والميادين بالندوات المفتوحة غير الخاضعة لأي تنظيم أو قانون فإن من المؤكد أنها سوف تتحول الى فوضى وهي فوضى رأينا جانباً بشعاً منها مؤخراً داخل حرم جامعة الخرطوم حين سقط طالب برصاص مجهولين جرياً على ذات السلوك المنفلت وغير المنضبط بقواعد القانون واحترامه.

إن ندوة قوى المعارضة التى -للاسف الشديد- سعت لتقنين الاحتكام الى الرأي الواحد هي بالضبط جوهر الأزمة فى الممارسة الديمقراطية التى ما فتئت تنبت ثم تموت فى التربة السياسية السودانية منذ عقود خلت ولا يدري أحد ما سر ذلك الميل المتواصل للتحلل من كل ضابط أو رابط فى الممارسة السياسية، مع أن المطلوب هو تقنين هذه الممارسة وضبطها باحترام حقوق الآخرين والحرص على التلازم بين الحقوق والواجبات.

سودان سفاري
ع.ش[/SIZE][/JUSTIFY]