مزمل ابو القاسم : أبو قردة ما بسوّي الحبّة

[JUSTIFY][SIZE=5]بدا الزميل الحبيب جمال علي حسن متفائلاً أكثر مما ينبغي، في معرض تناوله لإجراءات الحجر الصحي المطبقة على المسافرين السودانيين في مطار القاهرة.

* لا تطلق لقلمك العنان يا جمال، ولا تحلم بأن تحول وزارة الصحة السودانية ما طالبتَ به إلى واقع، لأنها غير معنية بالأمر، ولا ترى فيه ما يمس كرامة أهل السودان.

* سبقت الحبيب جمال على طرق القضية قبل شهور، وسردت تجربةً شخصيةً مريرة، حدثت لي في مطار القاهرة، وكدت أتحول بسببها إلى (محجور عليه) مع أسرتي، بتهمة أنني قادم من (دولة موبوءة بالحمى الصفراء.. ومُزوّر للكرت الصحي)، لمجرد أنني طلبت من الموظف الذي يشرف على الإجراءات، ألا يتطاول على شيخٍ سبعينيٍ، أتى القاهرة طلباً للعلاج على مقعدٍ متحرك.

* أرغى الفرعون الصغير وأزبد، وتطاير الشرر من عينيه، مستنكراً أن يطلب منه سوداني عدم إهانة من هو في عمر جده، فاحتجزني مع زوجتي وأطفالي عدة ساعات لم يقدم لنا فيها حتى شربة ماء، وشرع في طلب الإسعاف، لتحويلنا إلى الحجر الصحي، بدعوى الاشتباه في إصابتنا بالحمى الصفراء!!

* كتبت وقتها عن أن القادمين إلى مطار القاهرة من كل دول العالم يمرون إلى مكاتب الجوازات مرور الكرام، ما عدا السودانيين، الذين يوقفون خلف حاجزٍ غليظ، ويحرسون بموظفين وطبيبات وممرضات، يحملن حبوباً لا يدري أحد كنهها، ويجبرون من لا يحملون البطاقة الصفراء على ابتلاعها.

* ذكرت أن التعامل مع أي سوداني قادم إلى مصر يتم على أساس أنه (مريض وموبوء حتى يثبت شفاؤه)، حيث يطالب بإبراز كرت الحمى الصفراء، ويُجبر على ملء بطاقةٍ، تحوي عنوانه وأرقام هواتفه في مصر، والويل لمن تحدثه نفسه بالاحتجاج أو التبرم من (طابور الذنب) المُذل.

* يتكرر المشهد القبيح في مطار القاهرة يومياً، مخرجاً لسانه لكل ما يتردد عن روابط المحبة والأخوة ووحدة المصير والتاريخ، ومنكراً عبارة (ابن النيل) التي يتبادلها المصريون مع السودانيين، لتأكيد رسوخ وشائج المحبة بين الشعبين.

* يمر الأشقاء المصريون في مطار الخرطوم مرور الكرام، ويعاملون معاملة المواطنين، ولا يطالبون حتى بإبراز تأشيرات الدخول، ولا يخضعون إلى إجراءات (الذل الصحي) التي يتعرض لها السودانيون في مطار القاهرة يومياً.

* ذكرنا وقتها أن وزارة الصحة السودانية لم تلزم المصريين بإجراءات مماثلةٍ حتى عندما كانت مصر موبوءة بأنفلونزا الطيور وأنفلونزا الخنازير، وتساءلنا: لماذا تصر سلطات الحجر الصحي في المحروسة على التمسك بفرية تفشي وباء الحمى الصفراء في السودان، مع أن المرض المذكور اختفى من بلادنا منذ سنوات طويلة؟

* طالبنا بإلغاء الإجراءات المُهينة، وناشدنا سلطاتنا الصحية أن تتعامل مع المسافرين المصريين بالمثل إذا لم تستجب السلطات المصرية للطلب العادل، لكن الدكتور بحر إدريس أبو قردة وزير الصحة الاتحادي لم يأبه لنا، ولم يتكرم حتى بالرد علينا، ونظن أنه لن يفعل ولو تم تحويل كل السودانيين المسافرين إلى المحروسة إلى سجن أبو زعبل، لأنه غير مهموم بما يتعرض له أهله من ذُل.

* لو كانت الإجراءات المذكورة مطبقة ضدنا في مطار الدوحة لربما شعر أبو قردة بقسوة وطأتها، لأنه يطير إلى العاصمة القطرية كل حين، أما ما يحدث للسودانيين في مطار القاهرة، وما قد يتعرض له من يزورون أرض الكنانة عبر أسوان فلا يعنيه بشيء.

* نحب مصر ونزورها كل حين، لكن المحبة لا تدوم إن كانت من طرف واحد، ولا تعمّر إن لم يظهر المحبوب بعض المودة للمحب.

* هناك منغصات كثيرة تشوب علاقة الشعبين الشقيقين حالياً، مبدأها إجراءات الذل الصحي التي يتعرض لها السودانيون في موانئ مصر الجوية والنهرية، وأوسطها إصرار السلطات المصرية على تأخير افتتاح الطريق الذي يربط البلدين براً، والإجراءات المتخذة في حلايب، والشدة التي يؤخذ بها المعدّنون الأهليون الذين يتسربون إلى الأراضي المصرية سهواً أو عمداً، ومنتهاها التفاهات التي تصدر من إعلامٍ منفلت، لا يرعى للسودان إلاً ولا ذمّة، ولا يتورع في رميه بكل قبيح.

* قلبي مع سعادة السفير عبد المحمود عبد الحليم وهو يحمل كل تلك التركة المثقلة على ظهره قبل توجهه إلى مدينة المآذن، ونرجو أن يفلح في إزالتها، كما نتمنى أن يفلح دبلوماسيو المحروسة في الخرطوم بقيادة سعادة السفير الجديد أسامة شلتوت ورفيق دربه الصديق الأستاذ وفاق سويلم قنصل مصر في السودان وبقية طاقم السفارة في نقل المرارات المذكورة إلى المسؤولين في مصر، علهم يفلحون في إماطة أذاها عن طريق العلاقات التاريخية التي تربط الشعبين الشقيقين في مصر والسودان.. ولو بعد حين.

* لا تتفاءل يا جمال.. إذا ساقتك قدماك إلى مصر فستجد نفسك مجبراً على ابتلاع الحبّة.. وأبو قردة (ما بسوّي الحبّة)!

صحيفة اليوم التالي
[/SIZE][/JUSTIFY]

Exit mobile version