وسنعود إلى حكاية أن يصل سعره إلى عشرين جنيهاً، فهي لم تكن أول مرة طبعاً. وطبعاً المقصود هنا عشرون ألف جنيه بالقديم.
أما أن الحكومة ناجحة في التنظير وفاشلة في التطبيق، فهذا غير صحيح، وإنما الصحيح هو أنها فاشلة في التنظير وناجحة في نقل تنظيرها الفاشل إلى التطبيق. فكل ما تنظر فيه تطبقه تماماً وبنجاح اللهم إلا إذا كانت هناك عوائق فوق الإرادة والطاقة. وإذا كان هؤلاء البرلمانيون يرون نجاحها في التنظير، فإن الفشل في التطبيق يمكن أن يعالج بتغيير الأشخاص والأدوات والآليات. لكن علاج التنظير والتفكير هو الأصعب والأقسى جداً. فالتنظير والتفكير في استخراج النفط من أرض جنوب السودان بمظنة تحقيق السلام، لم يكن ناجحاً لأنه أطمع قادة التمرد في إقامة دولة مستقلة.
أما مواقف قرنق المعلنة عن الوحدة فقد كانت من باب الدبلوماسية الخادعة لعشاق الوحدة آنذاك سواء على المستوى الرسمي أو الشعبي، وأراد قرنق بتلك التصريحات التي تصب في اتجاه استمرار الوحدة رغم أن اتفاقية نيفاشا نصت على سحب الجيش السوداني وكل القوات والمؤسسات الحكومية والقضائية من جنوب السودان، أراد قرنق أن يزيل إلى حد كبير الغضب الشمالي بسبب حربه وهو يعلم أن آلاف الأسر قدمت آلاف الشهداء في الحرب التي أشعلها منذ عام 1983م.. وهذا يعتبر فشلاً في التنظير لأن الحكومة كانت تريد استمرار الوحدة، ولربما لاقى هذا التنظير هوى في نفوس الانفصاليين، وقالوا إن استخراج النفط في جنوب السودان عجَّل بالانفصال. ولو كانت البلاد منذ عام 1996م يحكمها انفصاليون مثل يوسف مصطفى التني وعبد الرحمن فرح والطيب مصطفى لقلنا إنهم أرادوا باستخراج النفط في الجنوب أن يدفعوا الجنوبيين إلى التحمس لقيام دولة مستقلة في إقليمهم.
ولقلنا إن هذا يبقى تنظيراً ناجحاً من دعاة فصل الجنوب، لكنه هو بالطبع يبقى تنظيراً فاشلاً من دعاة الوحدة ودعاة استيراد القمح وتشجيع شهادات شهامة. كل ما نظرت فيه الحكومة طبقته بنجاح. التطبيق ناجح لكن التنظير أصلاً فاشل.
أما حكاية وصول الدولار إلى «عشرين جنيهاً» والمقصود هنا عشرون ألف جنيه بالقديم، كان حينما جاءت هذه الحكومة «الإنقاذ الوطني» وهي في أيامها الأولى «عروسة في جبينها هلال»، صرّح عضو مجلس قيادة الثورة ورئيس اللجنة الاقتصادية بالمجلس العميد بحري صلاح الدين محمد أحمد كرار قائلاً إنهم إذا لم يستلموا السلطة بعد انتزاعها من رئيس الحكومة المنتخب السيد الصادق المهدي كان الدولار من «اثني عشر جنيهاً» وصل إلى عشرين جنيهاً. كان هذا التصريح عام 1989م.
وبزيادة التضخم بنسب متفاوتة خلال ربع قرن من الزمان انتقل سعر الدولار من اثني عشر جنيهاً بالقديم إلى أكثر من تسعة آلاف جنيهاً بالقديم أيضاً. والبرلمانيون أو بعضهم يحذرون من أن يصل إلى عشرين ألفاً بالقديم. إذن أنظر إلى هذه الرحلة، رحلة التضخم للجنيه السوداني من عشرين جنيهاً بالقديم مقابل الدولار إلى عشرين ألفاً بالقديم أيضاً. رحلة تضخمية عجيبة.
صحيفة الإنتباهة
ع.ش[/SIZE][/JUSTIFY]
