رأي ومقالات
يوسف عبد المنان : حزني عليك

لو كانت أجهزة الرقابة الحكومية تنظر بعيداً وتضع سمعة بلادها نصب عينها لأمرت عبر هاتف منتصف الليل يحظر نشر خبر الشباب الذي احتل واجهة السفارة القطرية.. لا تعتيماً وخرقاً لحقوق الصحافيين ولكن درءاً لعورات الوطن من الشيوع في أسافير الدنيا، ومن أجل أبناء السودان المنتشرين في بقاع الأرض الواسعة الذين يسوؤهم مظهر أبناء جلدتهم وهم (يفرون) من وطنهم فرار العنزة الصحيحة من القطيع الأجرب!!
ما الذي جعل هذا الوطن طارداً لبنيه ولافظاً لهم في أرض الله الواسعة من بلاد العرب إلى العجم من “سدني” في أستراليا وحتى كليفورنيا في أمريكا، ومن “كيب تاون” في جنوب أفريقيا وحتى روسيا البيضاء في أقصى الشمال.. كيف أصبح وطنا الباسمو رطنا ثقيلاً في الصباح والعشيات.. واستيأس أبناؤه من طرق الإصلاح والعيش الكريم وساسته وقادته يتوعدون بعضهم البعض بالسحق والقتل، وما القاتل والمقتول إلا هؤلاء الشباب الذين طويت أحلامهم في الضلوع وذابت تطلعاتهم في عز الشباب.. وهرموا قبل أن يبلغوا الثلاثين من العمر.
وهل كانت أحداث سبتمبر من العام الماضي احتجاجات سياسية من ورائها الأحزاب التي تملأ الدنيا نعيقاً بالديمقراطية وهي بعيدة عنها، أم كانت أحداث سبتمبر تعبيراً عن احتقانات في النفوس وسخطاً من الواقع.. وغضباً من بعض الفئات التي تشعر بالحرمان.. وفقدان الأمل في الإصلاح لذلك لجأت للتخريب والفوضى والقتل والسحل.
وهل أدركت الحكومة الأبعاد الاجتماعية الحقيقية لتلك الأحداث؟؟ وهل اتخذت تدابير وسياسات للحيلولة دون تنامي الأحقاد والضغائن في المجتمع.. والتدابير المقصودة هنا.. ليس تدابير أمنية وعسكرية بقدر ما هي سياسات اقتصادية ذات أبعاد اجتماعية.
لقد أصبح السودان بعد 2005م، أي بعد توقف الحرب جاذباً للعمالة الوافدة من بلاد العرب وأفريقيا وازدهر الاقتصاد وأخذت التخوم البعيدة والأطراف في التعافي من أمراض طالت واستطالت، ولكن جاءت خيبة الأمل الكبرى بعودة الحرب التي أفرزت الواقع الراهن.. حيث الهروب الجماعي من الوطن.. والتسلل حتى لإسرائيل انتحاراً وإقبالاً على ما هو مبغوض في النفس السوية.. ولكن حينما يصاب الشباب باليأس والقنوط وتتملكهم أشواق الهجرة لأي وطن بديل لوطنهم، لا عجب إن تداعى المئات لأربعة وظائف ولكن لماذا نحن السودانيين ننشر هذا الغسيل للكافة.
قديماً قال الراحل د.”محمد الواثق” حينما هاجر من جامعة الخرطوم إلى ليبيا وعين في وظيفة وضيعة نعى بلاده بالقول:
ما كنا في السودان نعاني ضيق معيشة
لو ساد في السودان أهل البصائر
فهل كان سيهرع لنوافذ الاغتراب الآلاف من الشباب لو سادت في بلادنا سياسات حكيمة درأت عنا شرور الحروب ما ظهر منها وما بطن!!
المجهر السياسي
خ.ي[/SIZE][/JUSTIFY]





