كوش نيوز .. أخبار السودان بين يديك

“فنان تشكيلي في ورطة” مع د العاتي الحنيِّن مفتول العضلات



شارك الموضوع :

[JUSTIFY]قالها اسماعين ود العاتي، وذلك هو لقبه ومنذوراً للعنف، كان منذ نفخ الخليقة، أو منذ عرفنا للرجل وجوداً في الحي الذي نسيته الرحمة أسفل المدينة المتورمة بغاثاً وغثاً ودمامل جراء تصاريف الخلق والسلطان والزمان .

صوته الذي يقرب من خوار ثور عظيم منه لكائن بشري، ولا يرق الصوت ذاك، فيرتد مزموما كتوما كقرقعة ماكينة طاحونة عمك جلال، إلا ليعود، تزيده غلظة بحة مشروخة طرأت عليه من أثر السنوات الطويلات الزُرق في حضرة البنقو.

كولاج

وقد كان شرهاً في تدخين، يمجّ اللفافة تلو الأخرى حتى استحالت سبابته والإبهام ولمى شفتيه الغلاظ إلى دكانةٍ في اللون من أثر الحرباشة، ويغلظ ود العاتي ما شاء له في الحلف بالطلاق, وهو الأعزب الأزلي، تتجنبه النسوة كما يُتجنب مصيوب الطاعون والمرض الكعب.. يمص العرقي في لذةٍ نهمة دون تأتأةٍ ولا يلجّ له لسان حتى لما بعد زجاجته الثانية .

عظيم الجسم، فارعاً ممشوقا كما نصبٍ تذكاري، ساعده وذراعه كانتا أقرب إلى غصنٍ معروقٍ لشجرة لبخٍ عظيمة، أمرد الشعر، إلا من شاربٍ خفيف يشعث على جانبي فمه متدليٍ كالمحاربين التتار، وعلى ذلك فقد كان وسيماً إذا سكنت ملامحه دائمة الحنق والصرران تلك .

صغيرتان عيناه كفأر.. تلتمعان كمن توشك على البكاء, أو لفرط لذةٍ غامضة. مغرم بارتداء الـ (فنايل الكط).. تبرز تكوينه العضلي أعلى ساعده وقفصه الصدري المدجج بالغضب ..

داكنة الألوان ملابسه في كل حالها . مهاباً من رفاقه – وفيهم من يفوقه جسامة –

ورجال الشرطة في “قسمهم” القريب, ما يملكون له في عبورهم لخانته إلا سؤالاً على استحياء ومسكنة: (ما فيها إصطباحية يا معلم؟؟) ..

أو حين يتقربونه زلفى، ولا يجرؤون على النبس بنت شفة في حضرته سوى: ود العاتي.. كيفك يا معلم؟

في القلعة

كنت يومها أجالسه، لم أكن أزعجه بكثير الكلام، أقبع هناك في ذات المكان كل مرة متلفحاً بصمتي، إذ ما كان من العقل في شيء استثارة حنقه بكلمةٍ تحسبها عادية، في حين له فيها قراءات تبركن غضبته فلا تسطيع لدفق حممه لاجماً حينها، وهو ود العاتي في حيث الصدر من تلك (الضروة) عند مدخل الخانة، يدير قلعته المملكة وشؤون روادها وسمارها من عمال السخرة والأفندية والعسكريين وصغار الصنايعية والمعلمين بطانته والخليلين، يطيب مزاجه فيدع لجسده القارب أن يتمدد كيفما اتفق، ويستغرق ساهماً وصامتا ثم يغمغم في كل مرة بذات الكلمات لذات المزاج الغزالة الفوق في السلم ديني أنا ياخ، بقيت بيني وبينه علاقة الصياد بالفخ، حذرة ومتصالحة أكتفي بمتابعة الداخليِهِ والخارجين، غائمة رؤاي بفعل كثافة الدخان وشحنة التوتر التي تحوم في المكان، والحوارات الغريبة .

يشدني كل ذلك ومحاولتي نحت التفاصيل المتسارعة في ذاكرتي، وعناصر الحياة تمور في قمة دراما قاع المجتمع هنا، بيتٍ قصيٍ لَبِنٍ تلفه العزلة والريبة , يتشارك والبيوت شبيهته في الفقر والعوز والضيق و المسغبة وأناسٌ نسيتهم رحمة السماء،

والديم لا ينام

مضى الوقت غرائياً ود العاتي ومزاجه اللاهب يومها، وصيفٌ مالح ينزّ فيه الهواء عرق الناس زئبقاً مصهوراً لزجا، استعذت من الشيطان واقفاً رمقني وهدر صوته، شنو ياخينا؟ متخارج وين؟ قلت ماشي، عندي حاجات داير أخلصها برجع بالليل ليه؟، أجابني وصوته يكفهر بمسحة غضب جلية، يازول الله ما ليك؟ جكك دايرك أنا في موضوع كده، شوف ليهو دوا نضيف يااااااااا عبدووووو، ابتلعت ريقي جالساً ترفص خلجاتي من توقع طامةٍ وشيكة، إعتدل هو داير أتخارج عُمرة يا أخو، قلت صاح، لكن أنا دايرني أعمل شنو لم أجد حينها ريقاً ابتلعه فابتلعني خوفي، كان الطرق العنيف على الباب مخرجاً لي من كثير أفكارٍ راودنني.

في المقابر

لقيت ود العاتي بعدها في المقابر، كانت المتوفاة جدته لأمه وحبيبته وسميره الذي تبقى من قومٍ كثير عُدّوا أهله لكنهم تأبّوا عليه وغادروه وحيدا منبوذا إلا هي، الجمع المشيع يتجنب دموعه الطفولية ونحيبه العوّاء وكأنه يقوم بتجربة البكاء والتصويت لمرته الأولى، ألجمت الناس غرابة ما يحدث أمامهم، وضعف ما عهدوه في الرجل وانكسار ومسكنة، كان يبكي بألم كبير ويجهش بأكبر منه والصوت الثور العظيم يندفع حزينا نوّاحا، لم أقو علي التصديق أنه ذات الرجل الدموي، والوحش ذاته الذي صادقته زمناً وهو يعيث رعباً في الحي وما جاوره ذات الرجل الآن يدعو إعياء روحه لأن تحتضنه كطفلٍ يتيم، كان داخل (ود اللحد) والرجال حوله، يوسد (الطينة الباردة) رأس جدته وهو ينهنه نحيباً (يقطع القلب) يضع قوالب الطوب الأخضر المتيبس (أحفظ مالك) في حنو غريب ليغطي به الجسد الصغير المتلاشي، ويسأل كما الطفل الحائر في صوته الباكي التوب اجرو خلاص؟ ويوجهه الرجال بإغلاق ذاك المنفذ بالطين وهذا بالتراب، وهو لدهشتي يستجيب في طاعةٍ لا تشبهه، ثم ينهال بالتراب عليها في رفق وبطء وكأنه يطمع في معجزة لتحدث، فتناديه المرأة من مرقدها وينتهي كابوس حزنه .

اليوم التالي[/JUSTIFY]

شارك الموضوع :

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

سودافاكس