رأي ومقالات

ملامح سودانية مرت من هنا

* في زحمة أحداث مفرحة مفاجئة لاحقتها الصحف الأيام الماضية، كنت قد تصورت المشهد على أنه (اشراقات) جديدة صنعها سودانيون هنا وهناك على غير اتفاق معلن، فارتقى بها الناس والإعلام لمقام (المواقف) الجديرة بالاعتبار.. لكني تراجعت عن لغة الإشراقات بسبب قابلية أي مناخ منهك لإنتاج أحداث مغايرة فجأة تعيد الناس لمربع الإحباط كما هي طبيعة الأزمنة المنتجة للأزمات المفتعلة، فنظرت للمشهد على أنها استدعاء لملامح سودانية صميمة، لا يستقيم أن تعبر دون أن نعيرها اهتماماً، فأي شيء أجدى من أن نشهد أحداثاً من صميم طبع بلادنا وملامحها الأصيلة، التي ظلت مألوفة قبل أن تصبح ثوابت المجتمع نهباً لمتغيرات حولنا ولتعديات سافرة، ما كانت لتفلت من أيدينا لو أنها بقيت قابضة على إرثها؟.

* دعونا نأمل في عودة لهذا(الإرث) وقوامه ملامح أهل السودان الأصيلة التي تبدو مشرئبة الآن لتنداح، فيكتسي بروحها زمن قادم ضمن مشوقاته استرداد الاقتصاد السوداني لعافيته، وتشكيل حكومة يراهن على تعبيرها عن حوار وطني توخى استدعاء جماع رأي أهل السودان، وأشبع طموحاتهم (نظرياً)، وما تبقى له إلا أن (يقرن القول بالعمل)، فأتى بمن عرف بذلك رئيساً للوزراء.. إن المشهد الحاضر يتراءى بين(مدخلات) ليست أقل شأناً من(مخرجات) الحوار.. إنها مدخلات لأجواء جديدة معززة لجهود ينبغي أن تتكامل، تحسين العلاقات مع أمريكا، عودة الأسرى، الإعفاء عن محكومين، ومبادرات مجتمعية متواترة تتصدر الصحف ومجالس الناس.. دعونا نتمهل في الاحتفاء بهذه الملامح السودانية الرائعة، قبل أن يسارع الزمن لينسينا ما حدث، ومنه ما أفرح الدوائر الاقتصادية، وما أسال الدموع كما شهد المطار والسجن.

* استقبال مؤثر لمن كانوا أسرى في سجون الحركة الشعبية، فانصفوا بمبادرة سودانية متعددة الأطراف وفي أجواء اقليمية ودولية مواكبة.. الصور تحكي ببراعة، والتحليلات السياسية تراهن متفائلة (أحسنت الحركة صنعاً، ردت التحية لمبادرة الحكومة)..(إطلاق الأسرى تليين لمواقف التفاوض).. والحكومة تقول على لسان وزير الإعلام(خطوة إطلاق الأسرى سيكون لها ما بعدها)- (الرأي العام) الأربعاء الماضي.. وعشية ذات الاربعاء أعلن التلفزيون أن رئيس الجمهورية أصدر قراراً بإسقاط العقوبة عن محكومين من الحركات المسلحة.. والخير يعم.
نعم الخير يعم وهو غلاب، فالأجواء مواتية لو أننا نحسن النية ونجيد الاستثمار فيما يثمر سلاماً واستقراراً.. هذه الملامح لمواقف سودانية متواترة تبدو معضدة لبعضها، ومهيأة لتشكيل أجواء لتمام خطوات السلام المنشود كرهان لاستقرار البلاد وتعافيها نهائياً من أوزار حروب ومنازعات مكلفة..إن السلام في الكون تصنعه الأجواء المعافاة، وبلادنا الخصيبة بالمواقف ليست استثناء، فلتتشكل الأجواء هكذا(سودانية الملامح) على رؤى مشتركة ومتوازنة.. مثل هذه الأجواء تشكيلها وصونها لتثمر مسؤولية الجميع، الآن معززة بإرادة حكومة تعبر عن اسمها(الوفاق)، وتتعهد بأن تكمل المشوار نحو سودان بملامحه الأصيلة تلك، لا أكثر ولا أقل.

وللملامح بقية:
* .. ربما انتصر رئيس تحرير(الرأي العام) لقلمه فجعلني أصنف سبقه الصحفي هذا بين إشراقات حاضرة في أجواء مفرحة تشغل الصحف، فلقد أثار ببراعة قضية علاج(اسطورة الكرة السودانية) ولاعب الفريق القومي وبطل نادي ساردية شندي الكابتن عبدالمحمود(الخواجة).. وما جف له قلم حتى تسلم شيكاً بالدولار تبرع به رئيس نادي الهلال فور إطلاعه على المشكلة.. فكأنما الأستاذ محمد عبد القادر أراد ما هو (أغنى) من (الدولار).. أراد أن يقول إن صحافتنا تعيد سيرتها الأولى في التعبير عن (الملامح الأصيلة) في المجتمع، تضمد جراحه وتؤازر قضاياه.. له الشكر وللكاردينال ابن ذلك الرمز(السوداني) الصميم كما عرفته، ولمندوبه حامل الشيك الصحفي الرياضي الناشط الرشيد علي عمر.

* ..ومن الإشراقات نشرت الصحف ووسائل التواصل الاجتماعي بكل فخر صورة الرجل السبعيني الذي جلس لامتحان شهادة الأساس بولاية غرب كردفان.. المشهد يحتمل العديد من أوجه التحليل والإعزاز.. والاعتبار.
* ..سوداني(عادي) أصبح موضوع حديث وإشادة السعودية والأردن(راعي سوداني ينقذ طياراً أردنياً من قبضة الحوثيين)..الخبر مفصل ومصور يثير الإعجاب(بسودانيتنا).

* ..فوجئت بموقف(سوداني) جدير بالاعتبار جرى بعيداً عن الأضواء مثل كثير غيره والحمد لله.. لقد صادفت نفراً من أبناء إحدى حارات أم درمان متجهين للولاية الشمالية، ليعزوا في وفاة والدة زميلهم، عليها رحمة الله.. سنحت فرصة لتبادل الحديث حول هذه (الظاهرة السودانية) فانهال الثناء على هذا النفر الكريم الذين استنفروا أنفسهم نيابة عن سكان الحي، ووفاء لعلاقة نشأت بينهم وبين من شدوا الرحال لمواساته بين أهله، وفاء لسمو(تعامله) معهم، والحمد لله.

* ..هذا مازال يحدث في السودان والدنيا تتغير، والناس يشكون من ضعف التواصل المباشر ويتخوفون على مصير(الجينات السودانية) الموروثة.. ما حدث هو دليل بقاء أهل السودان على (مواريثهم) وقيمهم الأصيلة، برغم ما تتعرض له من تشوهات بفعل(التباعد)..وغيره.

راي:د.عبدالسلام محمد خير
صحيفة آخر لحظة

تعليق واحد