رأي ومقالات

عشت لأروي: “أسد إفريقيا” داخل القفص


العنوان الذي قرأته صحيح تماماً، ولست في “ناشيونال جيوغرافيك العربية”، وإنما بموقع “باج نيوز”، وعليه مؤكد أن العنوان عاليه لا يمت للحياة البرية بصلة، ويخص الرئيس السوداني عمر البشير الذي جرى تنصيبه من قبل مريديه ذات يوم كأسدٍ لإفريقيا، ثم ما لبث أن زأر شعبه ضده في ثورة مجيدة، نزعته من الحكم، وفي يوم اثنيننا هذا، دخل أسد إفريقيا الذي أفسد على السودانيين دنياهم، وقادهم إلى جحيم الحروب والفقر والعزلة، وحيداً في قفص الاتهام -بجلبابٍ أبيض- نرجو مع كثيرين أن يتبدل إلى بدلةٍ حمراء.

وكنا قبل سنوات قليلة، قد تمالئنا نحن السودانيون، أو لنتحرى الدقة ونقول جزء منَّا على أن تسليم البشير إلى قضاة المحكمة الجنائية انتقاص لسيادتنا، وخرج كثير منَّا يذم لويس مورينيو أوكامبو، وارتضينا أن يكون القانون الدولي تحت “جزمة” رئيسنا، ولكن الرجل -كعادته- ردَّ ذلك الجميل بأن داس على رقابنا، فلم نجد حين ثرنا عليه بلا خوف سوى الهتاف “كل كوز ندسو دوس”.

نحن نعلم -يقيناً لا يداخله الشك- بأن مالك الملك يهب الملك من يشاء وينزعه ممن يشاء، والشعوب بإراداتها الجماعية تتطوع القدر، هكذا هي النواميس وهكذا الأشعار، ولكن البشير كدأب مكذبي هذه الرسالات، صمَّ آذنيه واستغشى ثيابه، حتى رأيناه داخل قفص الاتهام ذليلاً يرد على قاضيه الذي نأمل أن يكون جلاده -قانوناً- بسيدي الرئيس.

وعلى الرغم من شعارات الدين التي رفعها في وجهنا ردحاً من الزمان، وآي القرآن التي يتلوها علينا في كل خطاباته، ولا تتجاوز تراقيه، خرج الأسد اليوم من عباءة الوعظ، وهو يصف ملايين الدولارات التي ضبطت في خزائنه بأنها هدية!! فهلا جلس خليفة المسلمين في بيت الحاجة هدية قبل أن يخبرنا بأن “هذا لنا وهذا أهدي له”.

أمنياتنا المدخورة للبشير كثيرة، وبالطبع هي في خيالاتنا منزوعة من سلسلة أفلام “saw” الشهيرة، ولكن لنستعذ من الشيطان، ونحاكم الرجل بذات مقتضى أقواله التي لطالما صدعنا بها، نريده أن يسائل من أين له بكل هذه الكنوز وهو أبن العامل البسيط الذي سقط من “السقالة” وكسر سنه في سبيل كسب لقمته. وأن يحاكم وهو الذي يُعدنا بمستقبل زاهي لأطفالنا في ظل دولة الشريعة، بكل نفس أزهقها في دارفور بمقتضى الآية الكريمة “بأي ذنبٍ قتلت”. وأن يحاكم وهو يسوق أبنائنا إلى المحارق، بسؤاله عن كيف هم آل عمر.

ولنذكره وهو في جلبابه الأبيض، كيف ارتضى مع سبق الإصرار ودون تردد أن يفصل جنوبنا الحبيب بثلثي نفطه الأسود، وبكل أناسه من الخام البشري غير قابل للتكرار.

لنسأله لم عزلتنا عن العالمين، حتى نخرج للعالم ونعتذر في أيام فرحتنا بالتخلص منك عن تغييبنا قسراً لعقود ثلاث.

وإن تركنا ذلك كله، لنسأله عن أعمارنا التي ضاعت سدى، وشبابنا الذي لا نعرف سوى أننا انفقناه في صفوف الخبز والعربات، حتى بتنا ننشد الهجرة أنَّا كانت، وحيث كانت، نمشيها بالأرجل، ونشق الصحارى باللواري، ونترس البحر بـ “السمبك” في خطى كتبها علينا الثمانيني الذي لم يحتاج إلى اليوم لترجمان، ومع ذلك أصاخ السمع عن آهاتنا، التي لا أشك أنها كان يحسبها في فاصلات رقصه سعادة وليس “فرفرة المذبوحين”.

بكل هذه الحمولات نقولها: أسد إفريقيا في القفص، في نهاية منطقية لمسلسل الطواغيت المرعب، الذين خلقوا ليرونا ما يرون، وهم من يرون فينا عباداً مسومين لخدمتهم، ثم يسألنا أئمتهم هل نكفر ونخرج على من أختارهم الله لنا؟

فاللهم لك الحمد أن عشنا حتى نروي ونرى أسد إفريقيا داخل القفص.

مقداد خالد – صحفي ومُعد برامج تلفزيونية
باج نيوز



‫2 تعليقات

  1. ياكاتب المقال شوف ليك طبيب نفسى الزول هايحاكم ان شاء الله القاضى يقول اعدام طوالى اعدام وتعظيم سلام لكن دا شنو المسلسل الهندى بتاعك دا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *