رأي ومقالات

عمسيب: الشق العسكري يبدو بعيداً عن الاعلام واثارة الخلافات مفسحاً المجال لحمدوك ليحتضن القنبلة وحده


الحكومة _الأحتجاجات
قد يبدو الحديث عن السياسة اليومية بأحداثها المتسارعة منهكاً لكنه ضروري أذ أننا سنكون قادرين على التنبؤ بلحظات التحول الكبرى في مسارات الحراك الأحتجاجي الشعبي الذي أنتظم المجتمعات السودانية منذ ديسمبر.

حادثة طرد الصحفيين من المؤتمر الصحفي الذي رتب بواسطة مكتب رئيس الوزراء و مستشارته الأعلامية _ بالطبع المستشارة كغيرها من موظفي حكومة “الكفاءات ” لم تعمل في الأعلام أصلاً ولا تفهم طبيعة العمل الصحفي _ هو بداية لرسم الحدود المتجاهلة من قبل الجماهير وحكومتهم المختارة ، رسم الحدود يعني أن تعيد الدولة تعريف نفسها ككيان منفصل عن المجتمع متسلط عليه وليس معبر عنه كم يعتقد شاغلي محيط القيادة قديماً ، و أولى خطوات هذه الحدود أن تستعرض بنى الدولة الفوقية عضلاتها وقوتها المحضة لتمرير منطقها القائم علي هذا التمييز الصريح .

المرحلة التالية قد بدأت بالفعل و هي أن تنفرد الحكومة بتفاصيل القرار اليومي و تسيير العمل و الذي يختلف كلياً عن طبيعة المرحلة السابقة ، مرحلة التفاوض و أستعراض نتائج التفاوض و معوقاته للجماهير ، بمعنى أن الحكومة بطبيعتها وبطبيعة مهامها الروتينية هذه تعجز عن تعريف التفاصيل اليومية لأعمالها و هو ما يخلق حالة أنفصام محسوسة بين الحكومة ومن يعرفونها بأنها حكومتهم وفقاً لتصوراتهم عنها ، تجعل الشاب المحتج يفهم أن الحكومة هي بنية منفصلة عن تصوراته البدائية عن حكومة يخبرها بما تريد فتنهض لتنفيذه ، و يشعر بالغربة التامة نحوها .

الأمر الأخر منطق الدولة نفسه القائم علي مساحة حركة محدودة للتنفيذيين تجعل الفرق بين عدة وزراء متعاقبين علي الحكم في زمن الأنقاذ بلا تفاوت واضح في حجم المنجز أو شكل السياسات العامة المتبناة من قبل الوزارة ، الأدهي و الأمر أن الوزير سيكتشف أن مساحة الحركة المتاحة اله وفقاً لممكنات الوزارة ليست بذلك الأتساع الذي كان يظنه ، يقاوم الوزير في البداية و من ثم يستسلم لمنطق السلطة القوي و يغوص في الوحل .

الدولة السودانية رغم محاولات الأنقاذ أعادة هيكلتها و تفكيك نموذج الأفندية الذي شيد منذ الأستقلال الا أن الدولة التي أرادت الأنقاذ أبتلاعها و سخرت لذلك خطط الصالح العام و العسكرة و التمكين ..الخ سرعان ما لفظت المشروع الأنقاذي و أبتلعت الحركة و حزبها ، و في النهاية تحولت دولة الشعارات البراقة الي دولة براغماتية تبحث عن مصالحها بعيداً عن أي مبادئ و تبيع مواقفها و جنودها لمن يدفع أكثر.

حسن الترابي مثلآ علي براغماتيته السياسية مقارنة بأقرانه الا أن الدولة رغم ذلك رأت فيه مثالية لا تناسبها و نزعات حرية تضيق مساحات عنفها ، و تمسك بشعارات لا تعبر عن مصالحها و هي شعارات مكلفة ، ولم تفلح كل محاولات بعد ذلك للجمها ، حسن الترابي لم يكن يصارع البشير من المنشية بل كان يصارع القصر ، القصر كرمزية للسلطة و منطقها ، لذا فأنه لم يكن لينتصر مطلقاً .

أستعرضت يوم أمس أقتباساً عن مقال كتبته صحفية أسرائيلية أن الخطر الذي يهدد النظام المصري ليس الجماعات التي تتربص به بل هي روشتة صندوق النقد الدولي القاسية و التي أفقدت السيسي شعبية تاريخية كان يحظى بها في أحداث 30 يونيو ، شعبية تلمستها و أنا أزور مصر بعد ذلك .

حمدوك يعتقد أن الرؤية التي سيطبقها صحيحة كلياً و ستعالج أزمة الأقتصاد السوداني ، و حمدوك و عندما يتكلم عن الأقتصاد فهو ينظر الي أجمالي الناتج المحلي و نسب النمو الكلي للأقتصاد و متوسط دخل الفرد ، لكنه لا ينظر الي خارطة توزيع هذا النمو على أحوال الغالبية العظمي من فقراء هذا البلد ، و حمدوك و عندما يتتبع سياسات الصندوق و يسعى للأقتراض منه فأنه بالتأكيد يضع الرصيد السياسي الكبير الذي منحته له قحت كمصد للرياح العاتية التي ستهب عليه نتيجة لتأثير السياسات المتبناة علي القطاعات الواسعة التي خرجت لتسقط البشير ، البشير الذي كان يمضى تقريباً عبرالركابي و من بعده معتز موسى في نفس هذا المسارالحمدوكي بالكربون و تسبب هذا المسار في أرساله الي كوبر .

هذا المسار ربما سيقسم الناس خصوصاً أن الجهات التي عملت علي تنظيمهم تخلت عنهم و حسمت أمرها في صف الدولة ، و لم تعد متحمسة لأسقاط دولة لهم فيها قصب السبق ، و بأنقسام الناس فأن زراع الدولة الباطش سيخرج لأول مرة ليقمع المحتجين علي هذه السياسات ، و لأن الأصوات العالية عبر مواقع التواصل الأجتماعي هي في الجيب الخلفي لقحت ، فأن هذا القمع سيكون الدرس الأهم في هذا الحراك .

بالنسبة للشق العسكري فأن حمدوك سيفعل بالأقتصاد ما يرى قادته أنها خطوة مكلفة سياسياً لكنهم غير مجبرين علي الأقدام عليها في ظل وجود رجل المؤسسات الدولية المشبوهة المفضل و أن كانت هنالك فاتورة سياسية باهظة فستدفعها قحت كاملة ، لذا فأن الشق العسكري يبدو بعيداً عن الأعلام و عن أثارة الخلافات ، مفسحاً المجال الأعلامي لحمدوك ليحتضن القنبلة وحده و ليفجرها وحده علي قاعدة ” فأن صابت هنيالنا و أن خابت نحن مالنا ” .

عبدالرحمن عمسيب
2 أكتوبر 2019



تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *