النيلين
رأي ومقالات

معتصم الأقرع: تأملات في موازنة 2020 الانتحارية


تأملات في موازنة 2020 الانتحارية :
+ ورد في موازنة 2020 ان العجز سوف يكون 73 مليار جنيه أو ما يساوي 3.5% من الناتج المحلي الاجمالي. ونسبة العجز هذه معقولة وفي حدود الأمان.
+ كان اجمالي الأجور في 2019 حوالي 58.6 مليار جنيه.
+ تم رفع مرتبات القطاع العام بنسبة 569% . وهذا يعني ان اجمالي الأجور سيرتفع بمقدار 333.4 مليار علي أساس سنوي , إضافة الِي ال 58.6 مليار ليبلغ الاجمالي السنوي 392 مليار. ولكن بما ان الزيادات في 2020 تم تطبيقها منذ ابريل وليس يناير, فان اجمالي زيادة الأجور التي لم ترد في الموازنة يكون في حدود 250 مليار جنيه.
+ كل هذا يعني ان عجز الموازنة يرتفع الِي 323 مليار بدلا عن 73 مليار. وهذا العجز يعادل 16% من الناتج المحلي الإجمالي وهذه نسبة كارثية بكل المقاييس.
+ ولكن الكارثة لأ تتوقف عند هذه النقطة فهذه الارقام العجزية تفترض منح بقيمة 156 مليار جنيه. وبما ان أحدا لم يعد بهذه المنح ولم يصل منها مليما واحدا حتى الان يكون العجز الحقيقي 479 مليار جنيه أو 23% من الناتج المحلي الإجمالي وهذه نسبة فوق كارثية.
+ السؤال الذي يفرض نفسه هو من اين يتم تمويل هذا العجز الفلكي؟
+ تتجه الحكومة لرفع الدعم عن بعض السلع وليس كلها ولكن لنفترض انها قررت رفع الدعم من كل السلع بما في ذلك الجازولين والبنزين والكهرباء والقمح وغاز الطبخ. هذا الرفع سيوفر 188.8 مليار جنيه لينخفض عجز الموازنة الِي 290 مليار جنيه أو 14% من الناتج المحلي الإجمالي. اذا حتى بافتراض رفع كل أنواع الدعم سوف يكون العجز اعلي من الرقم المذكور في الموازنة (3.5%) بنسبة 300% .
+ اضف الِي ذلك ان الإيرادات الفعلية للموازنة في الربع الأول من العام بلغت 47% فقط مما ورد في الموازنة. وقد حدث هذا بين يناير ونهاية مارس , قبل ازمة الكورونا وهذا يرجح ان العائد الضريبي سيتراجع في باقي العام بتأثير تراجع النشاط الاقتصادي نتيجة للكورونا وتدني جودة الحوكمة الاقتصادية. وهذا يعني ان نسبة العجز الفعلي لابد ان تكون اكبر من النسب المذكورة أعلاه.
+ تذكر أيضا ان الموازنة تم اعدادها بافتراض معدل نمو الناتج المحلي الحقيقي بنسبة 2.9% ولكن بعد جائحة الكورونا من المؤكد ان النمو الحقيقي سوف يكون سالبا , أي أن الاقتصاد سينكمش في 2020 مقارنة بالعام السابق وهذا سوف يضع العجز في مستوي اعلي.
+ اضف الِي ذلك ان مستوي الصرف الفعلي من المرجح ان يفوق الرقم المذكور في الموازنة – 642 مليار جنيه – بسبب الانفاق الاضافي الذي فرضته الجائحة والصرف القادم مع تأسيس المجلس التشريعي وثمن السلام الذي تطالب به الحركات المسلحة في ارض الواقع واسافيره. وهذا يعني ان العجز الفعلي سوف يكون فلكيا.
+ كل ما ذكر أعلاه يعني انه حتى بعد رفع كل أنواع الدعم سوف يكون عجز الموازنة اعلي من 20% من الناتج المحلي الإجمالي – أي اعلي من 415 مليار جنيه – كحد ادني في غاية المحافظة التقديرية. والوسيلة الوحيدة المتاحة لتمويل هذا العجز هو طباعة المزيد من العملة.
+ لاحظ ان رفع الدعم سوف يضاعف أسعار كل السلع بمعدلات فلكية وكذلك طباعة العملة بهذا الافراط الجنوني. ونتيجة لذلك سوف يحلق سعر الدولار بعيدا في السوق الأسود أما في حالة التعويم فسوف يقارب معدل الانهيار سرعة الضوء.
+ قد يلقي أصدقاء السودان الاشحاء بعض فتات الدعم ولكن لن يكون ذلك بما يكفي لأحداث تغيير مهم في هذه الصورة المالية قاتمة الجنون.
+ لاحظ أيضا ان زيادة الأجور افتقدت السلامة الإجرائية وهذا يضع دستوريتها في شك. فهذه الزيادات لم ترد بهذا المستوي في موازنة 2020 التي اجازها مجلسي السيادة والوزراء اللذان يقومان مقام البرلمان في غيابه. عليه كان يجب تعديل وثيقة الموازنة بإضافة هذه الزيادات وعرض الموازنة المعدلة بأرقامها الجديدة علي الرأي العام وعلي المجلسين لإجازتها بصورتها الجديدة وهذا لم يتم حسب علمي.
+ بالنسبة لعقل الاسافير الطفولي الذي يسارع بالمطالبة بأرقام لتبخيس أي تحليل سديد, في هذا البوست ما يكفيكم من الأرقام الِي نهاية العام. اما أولئك الذين لا يكفون عن المطالبة ببدائل ككلمة حق اريد بها التكميم فعليهم ان يدركوا ان البدائل مضمنة ومضمرة في التحليل ولكن سوف نذكرها حتي لو كان في ذلك إهانة للذكاء الجماعي:
– ان ما يحدث الان في الملف الاقتصادي جنون مركب. يجب التوقف فورا وتدارك الامر.
– اهم قضية تواجه الاقتصاد السوادني حاليا – أي اهم قضية وطنية – هي ضرورة لجم هذا التضخم الانفجاري لانه يهدد وجود الأمة فلا يمكن ان يصمد وطن بلا اقتصاد يلبي ادني حاجات المواطن, واي محاولة اصلاح اقتصادي قبل القضاء علي غول التضخم هي حرث في بحر لجي لا يقبل عليه عاقل.
– القضاء علي التضخم يستحيل بدون السيطرة علي عجز الموازنة بترشيد الصرف الِي ادني الحدود وزيادة الموارد برفع الكفاءة الضريبية وزيادة الإنتاج بإزالة كل الكوابح التي تهزم المنتج الحقيقي وتكافئ الرأسمالية الطفيلية والبيروقراطية المدنية والعسكرية.
– وجود فجوة كبيرة بين سعري الصرف الرسمي والأسود مشكلة حقيقية ومن المهم ردم هذه الفجوة والوسيلة الوحيدة لذلك هي تعديل سعر الصرف الرسمي , ولكن لكي يأتي هذا التعديل بثماره يجب ان يسبقه لجم التضخم والتخلص من عجز الموازنة . أما الاتجاه لخفض سعر الصرف أو تعويم الجنيه في ظل هذا العجز الهائل والتضخم الجامح فهو انتحار لا شك فيه. في فقه الاصلاح الاقتصادي سلامة تسلسل وتعاقب خطوات الإصلاح لا تقل أهمية عن محتوي السياسات لذلك فان اجراء ما قد يكون صحيحا في ظرف ما ولكن في ظرف اخر قد يكون حماقة لان تغييرات سابقة وواجبة لإنجاحه لم يتم القيام بها. لذلك فان مس سعر الصرف الرسمي قبل السيطرة علي عجز الموازنة والتوقف عن تمويل رب رب التضخمي سوف تكون له اثار وخيمة.
ملحوظة: كل الأرقام الاولية مأخوذة من وثيقة الموازنة الرسمية.

د. معتصم الأقرع

تعليقات فيسبوك
شارك الموضوع :


اترك تعليقا