مقالات متنوعة

من اين اتى هولاء ؟


العبارة التي اطلقها عبقري الرواية العربية الراحل الطيب صالح قبل سنوات وسارت بها الركبان ..كان تساؤله منطقيا ..عندما ظهرت اخلاق غير الاخلاق ..وتعاملات غير تلكم التي نعرفها … ليس فقط في اعراف السودانيين وخصالهم الحميدة ..بل في معتقدات العالم بأسره ..العبارة اعلاه اطلقت قبل ان تظهر ممارسات غريبة صارت ديدنا لا يثير التعجب ولا الاستنكار ..بل استشرى ووصل حد الاعتياد ولله الأمر من قبل ومن بعد.
لو كنتم تعتقدون ان العبارة اعلاه تعني فقط النظام البائد ..فذلك هو الوهم بعينه ..فالنظام رحل وبقيت تلك السنن التي استنها واتبعها البقية دون تفكير …اسمع معي القصة التالية ..واستبق دمعك للنهاية ..فالدموع يا صديقي لا تقدم ولا تؤخر ..طفل صغير ..يعاني من ضيق التنفس وفي حوجة للاكسجين ..يسرع به اهله الى مستشفى حكومي حيث يصدمون بحقيقة عدم توفر جهاز للتنفس الصناعي (قول واحد ) ..يذهب به اهله لمستشفى علياء ..يشترط المستشفى علي الأسرة وضع 120 مليون تحت الحساب قبل ان يوضع الطفل في جهاز التنفس (قول 2) ..اسقط في يد الأسرة ..سارعوا به الى مستشفى تبارك للاطفال ..كانوا ارحم قليلا ..ماقصروا فقد طلبوا فقط 70 مليون تحت الحساب قبل وضع الطفل في جهاز التنفس ..(قول 3 ) واسترجع وحوقل معي ..ففي خضم الحيرة والتعب والبحث عن مغيث ..اخذ الله وديعته ..وصعدت روح الطفل الى بارئها وهو يبحث عن الاكسجين ..
ان كانت المستشفيات الحكومية قد اضحت قاعا صفصفا ..تفتقر حتى الى جهاز التنفس الاصطناعي ..ويطلبون منك كل شئ حتى الشاش والقطن ..وحال مبانيها يغني عن سؤالها ..ولا يبدو ان هناك حل يلوح في الافق ..وموت طفل صار لا يشكل معضلة ..ولا يستوقف احدا ..فهو ليس الوحيد ..ولن يكون الاخير ..يبقى السؤال الذي يطرح نفسه بالضرورة: حتى متى سيظل هذا حال المؤسسات الحكومية ؟ حتى متى سيظل الذهاب الى مستشفى حكومي بمثابة تقديم الاوراق لتاشيرة الخروج من الدنيا؟
جورج فلويد مات تحت اقدام احد اعضاء الشرطة في الولايات المتحدة ..فقامت الدنيا ولم تقعد ..ولا تزال التظاهرات تنتظم في كل انحاء العالم لاجله ..فلويد كان فرد ا واحدا ..تحركت الدنيا بأسرها لاجله ..و الصغار يقضون نحبهم في بلادنا ولا بواكي لهم ..اطفالنا يلفظون انفاسهم لان اصحاب المؤسسات العلاجية لا يرفعون اقدامهم عن اعناقنا ..فقل لي بربك من اين اتى هؤلاء حقا؟ وهل ذهب القائمون على امر تلك المؤسسات الى بيوتهم وناموا ملء جفونهم في ذلك اليوم ؟ ولم تطاردهم صور ذلك الطفل ويأس ابيه وحزن امه ؟ حتى متى تستمر اقدام هؤلاء على رقابنا وتمنع عنا الاكسجين ؟ حتى متى سنظل نقولها بصوت فلويد وحشرجة الموت تحاصرنا (..اننا لا نستطيع التنفس).
لو كنت مكان وزير الصحة لطالبت باستصدار قانون يلزم اي مؤسسة علاجية بقبول اي حالة طارئة تستوجب انقاذ الحياة ..واي مؤسسة تخالف ذلك يمكن مقاضاتها ويتم نزع ترخيصها ولا يسمح لها بممارسة العمل ..لا يجب ان يتم ترك انقاذ الحياة لتقدير الاشخاص ..انظر كم فقدنا من ارواح جراء ذلك ..قصص توجع القلب ..لكننا في كل مرة نكتفي بإبداء الاسف والقاء اللوم على غياب الانسانية ..اتضح فعلا ان هؤلاء ليسوا ببشر ..ولا يجب ان توقع منهم التعاطف وتقدير الحالة …يجب ان يكون هناك قانون رادع ..يمنع المؤسسات العلاجية الخاصة من التجارة بحياة الناس ..قانون يغلق المؤسسة ويفضحها على رؤوس الأشهاد ..قانون يرفع اقدامهم عن رقابنا ..ويسمح لنا بتنفس الهواء …
ويا عصفور الجنة الذي قضى نحبه من اجل جرعة اكسجين ..اغفر لنا يا صغيري ..وانت الان عند مليك مقتدر ارحم منا بك ..فليربط الله على قلبك امك ..وابيك ..اما ذنبك فهو في رقابنا جميعا الى يوم الدين ..انا لله وانا اليه راجعون
الجريدة

ناهد قرناص

تعليقات فيسبوك


تعليق واحد

  1. ياختي لاتوجد عندنا دولة لقدتم تشليعها من زمن بعيد بل نحن (جميعا) لانعرف معنى الدولة لايوجد سستم كل مسؤول يخرب مابناه الذي قبله
    مثلا لاحصرا “كنس اثار مايو”
    فالعقليه الجهوية العنصرية الرعوية تسيطر على تفكيرنا
    فالدولة توفر لنا المنصب والسلطة ومفهومنا لذلك فرصة لن تتكرر من هنا يتسرطن الفساد والانانية ولوي عنق القانون الذي لايحترمه احد
    ونترك لشهواتنا الانطلاق بدون رادع في استغلال المنصب لإشباع هذه الرغبات الجوامح
    والدولة في ستين والضمير مرتاح مادام الجيب مليان
    استغلال السلطة لاشباع رغباتنا هوالذي دمرنا …بهذا المفهوم والسوك لن تقوم لنا دولة ونظام منضبط..قارني بين انضباط الانقليز وكبف كانو وكانت الدولة والان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *