رأي ومقالات

روايات خاصة : نداوة الفجر


«1»في زاوية المسجد هناك دائما ، أقصى اليمين ، يجلس عبده ، لم يحدث ان سبقه احد إلى هنا ، او على الأقل لم أره إلا في ذاك المكان ، مديد القامة وعيناه واسعتان وذقن خفيف ، وشارب مقصوص بعناية ، وجلباب أبيض ،( يتقرفص) ،يشد ساقيه الى رأسه ويتكور ، يبدأ بحركة بسيطة ثم يستغرق حتى تظنه غاب في عوالم أخرى يهمهم ، وبين حين وآخر يعلو صوته “اللهم لك الحمد وإليك المشتكى وأنت المستعان وعليك التكلان ، سبحان الحي الدائم “..

وكل حين وآخر يخطو أحدهم إلى الداخل ، كأنهم يتعارفون من بين خطوهم ، كلما سمعت صرير الباب ، تجد أحدهم يتفاسح في المجلس ،ذاك ملمح واحد في زوايا هذا المسجد الصغير ، تتسلل الأجساد بلطف ، وتتقارب وأنفاس الصباح تحرك في النفس شجون خاصة ، حبات المسبحة تتدلى بلطف ، تتوالى واحدة واخرى ، إحساس دافيء ، سكينة وطمأنينة ، والقلق الدفين والهواجس والوساوس تنسل وتتفتت ، وتبدو الدواخل أكثر نقاءً ، الجسد الثقيل يتحلل رويداً رويداً وإشعاع داخلي يتسامى ، يتجاوز المحيط ويتصعد إلى أشواق أعلى ، والمسبحة تتدلى وتكاد تلامس الأرض ، ودمعة على الخد ، هطلت دون موعد ودون سبب ودون معاندة ، سبحان الحي الدائم ، يتحول كل شىء إلى وضاءة أكثر ، والمصحف هنا ،.وآية (وسارعوا إلى مغفرة من ربكم) ، يا ودود ، تحلق بالأفق وتسبح في عالم سماوي … يعيد (عبده) ترتيب هندامه وتهتز دواخلي “ما أحلى التوق لعوالم الصفاء وقد تحررت الارواح ، وصعدت إلى هناك “اللهم إنه لا ملجأ منك إلا إليك” .. وما “أحلى نداوة الذكر وطلاوة الفكر وصباحات الجمعة ..والأوبة..كأن رهق الأيام يتداعى والروح تعود نقية من الكدر وتمتلىء بفرح خاص وإحساس غامر..

«2»
ضجيج الناس يتحول الى همس رزين ، كأن القلوب وحدها عادت للحياة ، بينما الأجساد خاملة هناك ، و(الطيب) يتفحص الوجوه ويتلفت ، يبحث عن شىء ما ، وقد أسفر نور شفيف على الوجوه ، وفي المحيط تتعالى اصوات المآذن وآي الفجر تشعل طمأنينة بديعة .. يقف ، تنهض الارواح ، وتحتشد المشاهد ، كأنهم صيد يرد منبع ماء ، قلوبهم عطشى للسقيا ، والإمام يتلو “والذين آمنوا أشد حبا لله” ، آهة كالوحيح من الصدور وفي ركوعه يستغرق (عبده) “اللهم أرزقني حبك وحب من أحبك وحب ما يقربني إلى حبك وأجعل حبك أحب إلى من الماء البارد”..
حين تتراص الصفوف قياما ، تحس ان الابواب مفتوحة وان مغاليق كثيرة فتحت ، وان الداخلين كثر ، دون تزاحم ، هذه الوجوه تلفها لمسة عافية و سماحة تفوق الوصف.
«3»
والشيخ يقف هناك ، قال صلى الله عليه وسلم يوما “يا كريم العفو” فقال جبريل عليه السلام : أتدري ما تفسير يا كريم العفو ؟ هو إن عفا عن السيئات برحمته بدلها حسنات بكرمه ، وسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا يقول :اللهم إني أسالك تمام النعمة .فقال ، هل تدري ما تمام النعمة؟ قال: لا ، قال “صلى الله عليه وسلم” “دخول الجنة” ، يشرق وجه (الطيب) وابتسامة نادرة تملأ وجهه ويتسامى حتى تظنه يقفز من مكانه او يحلق بجناحين ، ويمضي الشيخ بصوت هادىء وكأنه يضغط على مظان الخير في قلوبهم : جاء إعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال : يا رسول الله من يلي حساب الخلق ؟ فقال صلى الله عليه وسلم: “الله تبارك وتعالى ” قال الإعرابي: هو بنفسه ؟ قال صلى الله عليه وسلم : نعم ، فتبسم الأعرابي، فقال صلى الله عليه وسلم “مم ضحكت يا أعرابي؟” فقال: ان الكريم إذا قدر عفا ، وإذا حاسب سامح ” ، فقال صلى الله عليه وسلم “صدق الإعرابي ، ألا لا كريم أكرم من الله تعالى هو أكرم الأكرمين”، ثم قال “فقه الأعرابي” ، يهتز (عبده) يرجف جسده كريشة على سفح موجة ، وتطل أشعة الشمس من شبابيك المسجد ، تتمدد في عمقه وتتكشف حبيبات الغبار وحركة تموج في الخارج ، الناس والحيوات والاطفال في طريقهم للمدارس والنفوس طيبة ، بذات مشاعر التلطف تلك تنتشر في الأرض وهى معلقة بأشواق السماء والقربى..

د. إبراهيم الصديق على



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *