رأي ومقالات

الدرديري محمد أحمد: حول رفع اسم السودان


سعيت مثل ما فعل من سبقوني في وزارة الخارجية، واقتفاءا لأثر سلفي البروفسير ابراهيم غندور، لرفع اسم السودان من تلك القائمة الامريكية المشئومة التي تتناقض والقانون الدولي والتي لم يَجُر السودان اليها شيئا اجترحه بل أرداه فيها مكر بعض بنيه. فطالبان التي آوت ابن لادن ومنها خطط ونفذ عمليته الشهيرة تُستقبل اليوم بالاحضان ويتم الصفح عما كان منها.
اننا خارج المنصب لانزال نرجو ان يُرفع اسم السودان عن تلك القائمة فورا. ولو كان بوسعنا السعي في ذلك لفعلنا. فنحن نعلم اكثر من غيرنا ما فات على السودان من فرص كبيرة في التقدم والنماء بسبب حجبه اثناء طفرته النفطية عن النظام المالي والمصرفي الدولي وعن التعاطي المالي عبر الانترنت. ونعلم أكثر من ذلك ما جرته تلك العقوبات الظالمة على قطاعات الصحة والتعليم وتوظيف الشباب وغيرها مما يتأثر منه غالب القوم وأضعفهم. بل اننا نرى ان قضية العقوبات، وما هو في قياسها،تعلوفوق تجاذبات السياسة وينبغي ان تكون محلا للاجماع الوطني. فما جر بلادنا لهذه الحمأة الا اختلافنا عليها!غير ان غرضي من هذا المقال ليس التطرق الى هذا، وانما استعرض فيه الخطوات الإجرائية التي ينتظر اتخاذها لرفع اسم السودان من تلك القائمة الظالمة ومعرفة ما اذا كانت هذه الخطوات تفضي بالفعل للغاية المنشودة.
تمثل المادة 620(أ) من قانون العون الأجنبي الأمريكي لسنة 1961 (وفقا لآخر تعديلاته في 15 فبراير 2019) النص القانوني الذي يحدد اجراءات الرفع عن قائمة العقوبات الأمريكية. وتعنينا من هذه المادة فقرتان:
أولا: الفقرة (1) التي تبين كيفية رفع اسم الدولة عبر مسار سريع fast track في حال حدوث تغيير جوهري في القيادة السياسية للبلاد:
تنص هذه الفقرة انه لا يجوز إلغاء قرار صادر عن وزير الخارجية الامريكي بادراج اسم دولة في قائمة الدول الراعية للإرهاب”ما لم يقدم الرئيس (الأمريكي) إلى رئيس مجلس النواب ورئيس لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ، قبل أن يصبح الإلغاء المقترح نافذ المفعول، تقريرا يشهد أنه:
(أ) حدث تغيير جوهري في قيادة وسياسات حكومة الدولة المعنية.
(ب) أن تلك الحكومة لا تدعم أعمال الإرهاب الدولي.
(ج) أن تلك الحكومة قد قدمت تأكيدات بأنها لن تدعم أعمال الإرهاب الدولي في المستقبل”.
ثانيا: الفقرة (2) التي تبين كيفية رفع اسم الدولة عبر مسار عادي ordinary track، اي دونوقوع تغير جوهري في القيادة السياسية للبلاد:
تنص هذه الفقرة انه لا يجوز إلغاء قرار صادر عن وزير الخارجية الامريكي بادراج اسم دولة في قائمة الدول الراعية للإرهاب ما لم يقدم الرئيس الأمريكي إلى رئيس مجلس النواب ورئيس لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ، وقبل ما لا يقل عن 45 يومًا من دخول الإلغاء المقترح حيز التنفيذ، تقريرا يبرر الإلغاء ويؤكد أن:
(أ) الحكومة المعنية لم تقدم أي دعم للإرهاب الدولي خلال فترة الستة أشهر السابقة.
(ب) الحكومة المعنية قد تقدمت بتأكيدات بأنها لن تدعم أعمال الإرهاب الدولي في المستقبل.
بمقارنة سريعة بين المسارين يتضح الآتي:
اولا: في كلا المسارين على الرئيس الأمريكي ابلاغ رئيس مجلس النواب ورئيس لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ قبل أن يصبح الإلغاء المقترحنافذ المفعول.
ثانيا: في حال المسار العادي يشترط ان يكون الابلاغ قبل خمسة واربعين يوما من تاريخ سريان قرارالالغاء، وذلك يعني ضمنا منح الكونغرس تلك الفترة للتداول. كذلك في حال المسار العادي يشترط التقدم بافادة عن ان الحكومة المعنية لم تقدم أي دعم للإرهاب الدولي خلال فترة الستة أشهر السابقة.
ثالثا: في حال المسار السريعلا يشترط منح الكونغرس تلك المهلة للتداول، ولا تشترط الافادة عن توقف حكومة البلد المعني عن دعم الارهاب خلال فترة الستة اشهر السابقة، وليس مطلوبا من الرئيس الامريكي ان يُضمِّن اخطاره تبريرا للالغاء.
وقد سبق ان شهدنا من قبل استخدام امريكا للمسار السريع بشأن السودان عند رفع جنوب السودان والمنطقتين من نطاق العقوبات المفروضة على السودانوذلك قبل الانفصال. فتم الرفع بمجرد تقرير قدمه الرئيس جورج بوش الابن للكونغرس يوضح التطور الجديد، وقد وافق عليه الكونغرس دون الدخول في مناقشة. اذ لم يكن الامر محل خلاف بين الحزبين. لهذا وحين اتصل بي البعض بعد التغيير مستفسرين ومستشيرين نبهتهم الى عدمالاستمرار في الحوار مع امريكا تحت المادة 620(أ)(2) وذلك لأهمية الاستفادة من التغيير الذي حدث، ايا كان وكيف كان، للانتقال الى المسار السريع الذي تقل تعقيداته عن المسار العادي. غير ان ما شهدناه فيما تلى ذلك من ايام نبأنا ان العهد الجديد لم يقبل فقط الاستمرارفي المسار العادي بكل شروطه المنصوص عليها في القانون صراحة، بل استجاب لشروطاضافية لم ترد حتى في القانون الامريكي ومنها دفع التعويضات، وربما ربط رفع العقوبات بالتطبيع.
غير ان السؤال الذي لم تتضح بعد الاجابة عليه هو، هل يجوز للرئيس الامريكي عند اتخاذه للمسار السريع ان يرفع العقوبات بأمر تنفيذي Executive Order يصدر منه وحده رغم معارضة الكونغرس؟ هناك سببان وراء طرح هذا السؤال.اولهما ان النصوص القانونية اعلاه ليست كافية في الدلالة على جواز رفع اسم دولة عن القائمة بأمر تنفيذي.والسبب الثاني هو ان بعض قيادات الكونغرس من امثال السيناتور مينينديز يعترضون على عدم شمول ضحايا برجي التجارة الدولية في التعويضات السودانية. وقد اعلن هؤلاء صراحة مقاومتهم لخطة التعويضات الحالية التي لا تشمل هؤلاء الضحايا. اضطر ذلك البيت الابيض لبحث جواز الغاء العقوبات بقرار تنفيذي.اذ رشح حينها القول ان الرئيس ترمب ينوي الاقدام على خطوة كهذه. غير ان هذا الصوت قد تراجع مؤخرا ربما بسبب صعوبات قانونية برزت خاصة في وجه المعارضة القوية المنتظرة للاجراء في الكونغرس.وقد تلاحظ انه لم ترد اي اشارة للامر التنفيذي في تغريدة ترمب. اما تغريدة حمدوك فهي لم تخلو من الاشارة لاحتمال صدور قرار تنفيذي فحسب وانما صوبت الانظار لاحالة المسألة برمتها للكونغرس. اذا كان ذلك كذلك وليس هناك امر تنفيذي قيد الصدور فان هذا يعني ان العقوبات لن تُرفع ولو قدم ترمب تقريره للكونغرس تحت المسار السريع الا بعد تداول في الكونغرس.ولايتوقع ان يكتمل مثل هذا التداول في ظروف الانتخابات الراهنة الا بما يتسق مع جدولها ومواقيتها، وربما في عهد رئيس جديد وكونغرس جديد. كما يتوقع ان تنفتح المداولات على كل الاحتمالات ولن يمر فيها موضوع تعويضات ضحايا البرجين مرور الكرام.
لكن فلنفترض ان مداولات البيت الابيض القانونية قد انتهت الى انه يجوز للرئيس ترمب ان يصدر قرارا تنفيذيا برفع اسم السودان من القائمة اللعينة رغم وجود المعارضة القوية في الكونغرس، وانه بالفعل سيصدر هذا القرار اليوم او غدا، فهل سيؤدي ذلك الى انهاء العقوبات المفروضة على السودان؟ الاجابة هي النفي القاطع. فأول المشاكل التي سيواجهها السودان هي ان القرار التنفيذي لن يضمن للسودان حصانة من القضاء الأمريكي، فالحصانة من القضاء الأمريكي المطلوبة لحماية السودان من المزيد من مطالبات الضحايا لاتتوفر الا بقانون يصدره الكونغرس. ومن ثم ستتواصل كافة الدعاوى ضد السودان بل ستتزايد وستصدر المحاكم الامريكية قرارات بالحجز على اي ارصدة سودانية. وفي هذه الحالة سيستمر تعذر تعامل السودان عبر النظام المصرفي الدولي لأن اي تحويل بالدولار مرتبط بالسودانسيكون عرضة للاحتجاز في نيويورك. فالمعروف ان اي تحويل بالدولار من اي مكان في العالم ولأي مكان يمر عبر كسر من الثانية بمصرف الاحتياط المركزي الامريكي بنيويورك. هذا اضافة الى ان قانون سلام السودان يفرض على الادارة الامريكية عدم التعاون مع الحكومة السودانية ماليا الا في الحدود الواردة فيه وللاغراض المذكورة فيه. ومن ثم مالم يلغ الكونغرس الأمريكي ذلك القانون او يعدله فانه على الارجح لن تتمكن الادارة الامريكيةمن توجيه ممثليها في صندوق النقد الدولي او البنك الدولي او غيرهما من المؤسسات المالية الدوليةللتصويت لصالح تمويل السودان او اعفاء ديونه. هذه هيالأمثلة البادية للعيان اليوم. اذ ليس هناك نظام قانوني في العالم اكثر تعقيدا او تشابكا من النظام الأمريكي. وستكشف التجربة الفعلية المزيد مما هو أعجب واغرب.
اذا كنا قد نعينا في الماضي على معارضي الامس انهم يعارضون الوطن بفرضهم العقوبات عليه، مما لم ينكروه اليوم، فاننا اليوم لن نحذو حذوهم. فنحن آخر من يسعد ببقاء اسم السودان في تلك القائمة يوما واحدا اضافيا. لكننا لانرى الطريق التي يسلكها هؤلاء القوم مفضية الى نقض ما أوكت اياديهم ونفخت افواههم.

د. الدرديري محمد أحمد
*وزير خارجية السودان الأسبق
20 اكتوبر 2020



‫7 تعليقات

  1. والله يا ود هديه الله لا بارك فيك دنيا واخرة انت سبب البلاوي دي كلها حصار وحميتي

  2. ليت قومي يعلمون، حمدوك يعلم تلك التعقيدات ذلك لكنه اخفى ذلك واشار الى هذه التعقيد فقد اعقب شكره لتراب او ترامب بأن قال: (الشكرُ الجزيل للرئيس ترمب على تطلعه إلى إلغاء تصنيف السودان كدولة راعية للإرهاب، إننا نتطلع كثيراً إلى إخطاره الرسمي للكونغرس بذلك)

  3. بدلآ من,,ارداه فيها مكر بعض بنيه.,كان الأنسب,,لقد تبنينا خطآ معاديآ لأمريكا قولآ وفعلآ وعنتريات لم تقتل ذبابة ونفخة كدابة وآوينا المتطرفين الإرهابيين وحركاتهم وخداع للشعب لتحقيق مصالح ذاتية جرت علينا كارثة العقوبات,, إنها حالة نفسية تتلبسكم دومآ معشر الكيزان تعتبرون فضيلة الاعتراف بالخطأ منقصة وضعف لذلك تبحثون عن من يحمل أوزاركم والتي لو حملتها الجبال لإندكت..

  4. ,,إننا لا نرى أن الطريق الذي يسلكه هؤلاء القوم يفضي الى نقض ما أوكت أياديهم ونفخت أفواههم‎,,‎الكوز النتن يريدأن يفهمنا أن ما حل بنا من حصار وعقوبات ليس سببه الكيزان وإنما آخرين..نريد أن نؤكدله أن رضيعنا يعرف من تسبب فيها و ان لا عيون لكم وتنظرون للأشياء بغرائزكم التي اوردتكم والبلاد إلى المهالك.,!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *