تحقيقات وتقارير

العلاقات بين السودان وإسرائيل.. بين القانون والسياسة


انقسم العالم إلي جماعات من الأفراد تَسكُن كل جماعة منها إقليماً مُحُدداً وتخضع لِهيئة حاكمة تسيطر عليه هذه الجماعات التي ُنسَميها بالدول والتي تُكوّن في مجموعها ما نسميه بالعائلة الدولية.

نَشأت بين الجماعات في هذه العائلة الدولية علاقات مختلفة كنتيجة حتمية لوجودها جنبا إلي جنب وعدم إمكان الواحدة منها أن تستغني عن الأخرى، فكما يعجز الفرد عن زميله وأن يعيش بمعزل عن باقي أبناء جنسه، كذلك الدول، وما هي إلا مجموعات من الأفراد يقوم بينها مثل هذه التبعية المتبادلة، كذلك في النواحي الأخرى من حياة الدول مادية كانت أو معنوية، تظهر حاجة كل دولة منها إلي الدول الأخرى وإلى ما يقوم به أفراد هذه الدول من جهود بحيث لا يتيسر لواحدة أن تعيش أو تنمو مستقلة عن باقي أفراد العائلة الدولية.

لم تُخبرنا أسفار التاريخ بدولةٍ رفضت إقامة علاقات دبلوماسية مع الدول الأخرى، فمؤدي ذلك عمليا انزوائها وبقائها خارج نطاق جماعة الدول وإقصاء نفسها تَبعاً لذلك عن دائرة تطبيق القانون الدولي، وهو ما ليس في صالحها إطلاقًا ويعوق ارتقاءها وتدعيم مركزها الدولي.

نَدرت أو قلت العلاقات الدولية في العهود الغابرة واقتصرت علي الدول المتجاورة، وذلك لبطء المواصلات وعدم توفر الثقة بين الدول فلما زادت سرعة المواصلات نشطت التجارة الدولية وزاد الاتصال بين الدول وعَظُم ما يقوم بينها من علاقات، ولما كان من غير الممكن أن تنشأ هذه العلاقات المتعددة في فوضي عارمة وبدون قواعد ناظمة وحاكمة تؤطّر هذه العلاقات، نشأت فيما بين الدول وبرضاها قواعد القانون الدولي العام لينظم العلاقات الدولية ويُرتّب آثارها.

تُخبرنا أسفار الأولين بالتاريخ التليد للتمثيل الدبلوماسي بين الدول، الذي يضرب بجذوره في أعماق التاريخ منذ التاريخ المصري والصيني القديمين، وتاريخ الإمبراطوريتين اليونانية والرومانية، وتاريخ العصور الوسطي، حيث كان يتم الاتصال بين الدول عن طريق بعثات مؤقتة تكلف بمهام خاصة تؤديها لدي الدول الأجنبية، وكان يعترف لأعضاء هذه البعثات بمكانة خاصة وبحصانات وامتيازات متعددة.

ولكن التمثيل الدبلوماسي الدائم بشكله المعروف الآن لم يظهر إلا منذ ظهور القانون الدولي العام بشكله الحديث ابتداء من القرن السابع عشر، فبعد انهيار النظام الإقطاعي وتكوين الدولة الحديثة، التي اُعترِفَ لها بالاستقلال والسيادة والمشاركة في تكوين القانون الدولي، جرت عادة هذه الدول علي أن تتبادل فيما بينها التمثيل الدبلوماسي عن طريق بعثات دبلوماسية دائمة، ويُعزي نشوء ذلك التمثيل الدبلوماسي الدائم بين الدول إلى أن الدول أحست بعد نمو العلاقات الدولية وتشعبها بضرورة وجود اتصال دائم فيما بينها للتفاوض وتبادل الرأي فيما بينها بصفة منتظمة.

جَليٌ أن نهاية الحرب العالمية الثانية كانت المحطة التاريخية الفارقة في اتساع نطاق التمثيل الدبلوماسي كنتيجة لازدياد عدد الدول المستقلة، التي تملك تبادل البعثات الدبلوماسية، كما أدي ازدياد الارتباط الاقتصادي والاجتماعي والثقافي بين الدول إلي أن تقوم كل دولة بتدعيم بعثاتها الدبلوماسية بعناصر فنية وبزيادة حجمها حتي تستطيع أن تباشر الوظائف الجديدة ذات الطابع غير السياسي.

يعني الاتصال الدبلوماسي حق دولتين أو أكثر في الدخول في علاقات دبلوماسية، دون أن يكون للدول الأخرى الحق في منعها.

فالقانون الدولي لا يفرض علي الدول التزام قبول البعثات الدبلوماسية كما لا يفرض عليها قبول التجارة الأجنبية، ولكن الدولة التي تقطع علاقاتها بسائر الدول تخرج عن الجماعة الدولية.

فطنت اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية، التي صدرت في عام 1961 لتؤطّر وتقنن الأعراف الدبلوماسية العتيدة، للحقيقة المنطقية والواقعية التي سلف ذكرها، فأشارت ديباجتها إلى أهمية قيام العلاقات الدبلوماسية بين الدول على اختلاف أنظمتها السياسية والاجتماعية، وكان باعث الاتفاقية في هذا الصدد المحاولات، التي بذلها الاتحاد السوفيتي لإدخال فكرة “التعايش السلمي” في الاتفاقية حتي يمنع مقاطعة دولة دبلوماسيًا بسبب نظامها السياسي.

لا ريب أن تدشين العلاقات الدبلوماسية والتجارية بين الدول في التاريخ الحديث يمكن سبر أغواره، أيضًا من خلال إدراك مفهوم “نظرية الباب المفتوح” والتي دشنتها كل من بريطانيا وفرنسا واليابان وروسيا والولايات المتحدة، إثر “حرب البوكسر” حين شاركت هذه الدول الأجنبية في إخماد ثورة البوكسر الموجهة ضد الأجانب في الصين، ففرضت هذه الدول علي الصين اتباع سياسة الباب المفتوح، لحملها علي فتح أبوابها للتجارة الأجنبية فأبرمت الصين واليابان معاهدات مع الدول المختلفة تُصَرح فيها لرعايا هذه الدول بالإتجار مع إقليميهما وتفتح من أجل ذلك موانيها.

وختامًا، وفي سياق اتفاق كل من السودان وإسرائيل علي البدء في تدشين عديد العلاقات بينهما وعلي مختلف الأصعدة، تعجز التحليلات المختلفة حول تدشين العلاقات الدبلوماسية والتجارية وغيرها من كافة أنواع الاتصالات بين السودان وإسرائيل، الحقيقة القانونية الحاسمة التي تقطع بأن الدول المستقلة ذات السيادة تلجأ إلى إقامة العلاقات الدبلوماسية ووقفها وقطعها لتحقيق مصالحها السيادية، وتقدر الدول في ذلك الصدد مصالحها العليا ومصالح شعوبها، وتستند الدول في ذلك لإرادتها الحرة وشخصيتها القانونية الدولية بوصفها الشخص الرئيسي للقانون الدولي.

سكاي نيوز



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *