مزمل ابو القاسم

الحرب الإثيوبية.. قبل فوات الأوان


* ستزيد نذر الحرب التي لاحت في إثيوبيا منطقة القرن الإفريقي توتراً على توترها القديم، لترفع حالة الاحتقان المسيطرة على واحدة من أكثر مناطق العالم فقراً وفاقة وابتلاءً بالنزاعات الجهوية والعرقية والدينية.
* لم يفلح الإتلاف الحاكم في إثيوبيا في محاصرة التوترات والاحتجاجات وأعمال العنف التي تفشت منذ فترة في مناطق الأرومو في الغرب الإثيوبي، على الرغم من مبادرته بإجراء إصلاحاتٍ حكوميةً، منحت العرقية التي تشكل الأغلبية في الشعب الإثيوبي تمثيلاً أعلى في قمة هرم الدولة، بما في ذلك تخصيص منصب رئيس الوزراء لها، في مستهل العام 2018.

* بعدها وجهت السلطات الإثيوبية اتهاماتٍ بارتكاب جرائم من بينها الإرهاب والتحريض على العنف لمعارضين بارزين في عرقية الأرومو، في خطوة وصفت بالمتسرعة، وذكر مراقبون أنها ستسهم في تأجيج التوتر في المنطقة المضطربة أصلاً.
* تعلقت الاتهامات بأعمال العنف التي اندلعت بعد مقتل المغني الشعبي هاشالو هونديسا، الذي يتحدر من إثنية الأورومو، وبسببها لقي حوالي (240) شخصاً مصرعهم في أعمال عنفٍ عرقيةً واشتباكاتٍ داميةً مع القوات الأمنية، ألقت الضوء على حجم التحديات الأمنية والسياسية المعقدة التي تواجه حكومة رئيس الوزراء آبي أحمد.
* حالياً انفتح الواقع الإثيوبي الملتهب على نزاع قديمٍ ومتجدد، ينذر باندلاع حربٍ طاحنةٍ بين الجيش الإثيوبي وجبهة تحرير التقراي، المسيطرة على المناطق الشمالية لإثيوبيا.
* بدأت ملامح النزاع في التضخم بإعلان الجبهة رفضها لتأجيل الانتخابات العامة التي كانت مقررة في أغسطس الماضي، قبل أن تقدم على تنظيم انتخابات بإجراء أحادي في شهر سبتمبر، رفضت السلطة الاتحادية الاعتراف بنتائجها.

* الدولة الجارة التي فاز حاكمها الشاب بجائزة نوبل للسلام العام الماضي بسبب نجاحه في إبرام اتفاق للسلام مع الإريتريين باتت على شفا هاوية من حربٍ مدمرةٍ، سيطالنا لهيبها قطعاً، إذا لم تبادر حكومتنا برد الجميل للإثيوبيين، عبر مبادرةً تستهدف لم شمل الأحباش، ومحاصرة النزاعات المتصاعدة، ومساعدة آبي أحمد على استكمال مشروعه المتعلق بإجراء إصلاحاتٍ سياسيةً حقيقية، يرى معارضوه أنه ليس جاداً بما يكفي لتنفيذها، إذ سرعان ما اتهموه بأنه انقلب عليها، وسعى الى استغلال التوترات المسيطرة على بلاده لقمع المعارضين.
* آبي أحمد متهم عند التقراي بالتآمر عليهم مع أسياسي أفورقي، وبمنع المستثمرين من الوصول إلى مناطق التقراي، وبحظر التحويلات المالية، وبالتحالف مع الأمهرة ضد التقراي، وبتعطيل الانتخابات بلا مسوغ مقبول، وبقطع الاتصالات عن مناطق الشمال، التي أصبحت مرشحةً للانفصال عن إثيوبيا.
* أخطر ما في الأمر أن التوتر الحالي مرشح للانتقال إلى مناطق أخرى، مثل الصومال والعفر وبني شنقول.

* إذا لم تتم محاصرة النزاعات الحالية ستتحول مناطق الشمال والغرب الإثيوبية إلى ساحة حربٍ دامية، سيمتد أوارها ليحرق شرق السودان المضطرب أصلاً.
* معلوم أن المنطقة المذكورة باتت تشكل ساحةً للتنافس بين عدد من أجهزة المخابرات، التي يطيب لها أن تصطاد في ماء النزاع المتصاعد، كي تغذيه وتساعد على تفشيه، خدمةً لأجندتها الخاصة، وتوظيفاً لها في ما يسمى بحربي الموانئ والمياه المندلعة منذ فترة في المنطقة.
* صحيح أن بلادنا مشغولةً في الأصل بمشاكلها الاقتصادية المتصاعدة وتحدياتها الأمنية المتنوعة، وأن ما فيها يكفيها، لكن حكومتنا تظل مطالبةً بالانتباه إلى الخطر المتصاعد في الشرق، وبالسعي إلى مساعدة إثيوبيا على استعادة استقرارها السياسي والأمني ما استطاعت إلى ذلك سبيلاً، قبل أن يمتد ذلك النزاع إلى الداخل السوداني، ليزيد الشرق التهاباً على التهابه الحالي.

* مطلوب من القوات المسلحة وبقية الأجهزة الأمنية إحكام قبضتها على الحدود الإثيوبية، تحسباً لمحاولة استغلال أراضينا في الحرب التي اندلعت فعلياً، ونتوقع من القيادة السياسية أن تتحرك لقيادة مبادرة تستهدف محاصرة النزاع الإثيوبي المتصاعد، قبل أن ندفع فاتورته الباهظة، على حساب أحد أكثر مناطق السودان توتراً وقابليةً للاشتعال.

مزمل ابو القاسم – صحيفة اليوم التالي



تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *