رأي ومقالات

مصير ثورة ديسمبر .. أو لماذا يفشل الرهان على الجماهير ؟


أنظر الآن إلى السلطة التي خلفت ديسمبر، سترى عسكر وقادة مليشيات أحزاب ونشطاء مشبوهين وحركات مسلحة تجار حرب ومرتزقة وأي شيء آخر، و لكنك لن تجد أي أثر للجماهير التي احتشدت في القيادة العامة؛ اللهم إلا حقيقة كون هذه الجماهير كانت هي السلّم الذي صعدت من خلاله القوى الحاكمة الآن.

أنظر الى أجندة السلطة و سلوكها السياسي ستجدها تتحرك وفقا لأجندة لا علاقة لها بجماهير ديسمبر (دعك من كل جموع الشعب السوداني) و لا بشعارات الثورة المجردة؛ و لكن كيف يكون لتلك الجماهير اي تأثير على سياسات سلطة هي لم تختارها اساسا ؟ و لا يمكنها مراقبتها و محاسبتها ؟
هذه السلطة تعمل وفقا لأجندة القوى التي فرضت نفسها فيها.
لا يوجد اي شكل من أشكال الرقابة أو الضغط على السلطة بخلاف بعض الأصوات هنا و هناك.

وثيقة كورنثيا التي تحكم الفترة الانتقالية برغم علاتها لم تعد تعني شيئا بالنسبة للسلطة الحاكمة. فبعد كل التأخير في تكوين المجلس التشريعي، و بعد مخالفة الوثيقة بتكوين حكومة محاصصات حزبية صريحة و فجة، ها هي شلليات قحت تواصل في انتهاك الوثيقة و تمضي في تعيين رئيس قضاء بترشيحات سياسية (رغم رفض بعض القوى في معسكر ديسمبر مثل حزبي الشيوعي الأمة) و ذلك دون أن تكلف نفسها حتى عناء التوضيح للرأي العام لماذا لم تشكل حتى الآن مجلس القضاء العالي الذي نصت عليه الوثيقة.

هذه الوثيقة لا أحد يحترمها و نحن أيضا لا نحترمها، لا نكتب من موقع الدفاع عنها، و لكن يهمنا استقلال القضاء و استقلال النيابة العامة، و ما دامت الوثيقة هي الأمر الواقع فقد كان يجب إبداء نوع من الالتزام بها على الأقل ممن وقعوها و يحكمون بموجبها.
الأمر المحير هو أين كل تلك الجماهير التي خرجت في الشوارع و في الميادين ؟ أين مجموعات النساء و الشباب اين النشطاء الذين ملأوا الأسافير ؟ لماذا لا يدافعون عن الوثيقة الدستورية التي من المفترض أنها التتويج النهائي للثورة ؟ لماذا يتجاهلون واقعا مثل غياب مجلس القضاء العالي ؟ و غياب المجلس الأعلى للنيابة و المجلس التشريعي و غياب المحكمة الدستورية. فيم ثُرتُم إذاً؟
لكن الحقيقة العارية هي أن هذه الجماهير هي نفسها الجماهير التي سكتت عن نظام الإنقاذ لثلاثين سنة و كان يمكن أن تمتد لستين أو مائة سنة لولا مجموعة من العوامل التي تلاقت لتصنع حدث ديسمبر.

حركات الهامش لو لم تكن تحمل السلاح لكانت تتسول الآن قادة السلطة الجديدة بلا جدوى، و لكانت انتظرت “جماهير ديسمبر” التي لا يعرف أحد الآن أي شق قد ابتلعها.

الحقيقة المرة و التي نتهرب منها جميعنا تحت ادعاء الصوابية السياسية الزائفة و الكاذبة هي أن فرض أجندة سياسية إصلاحية كانت او غير ذلك ما يزال يحتاج إلى شيء أقوى من الجماهير، يحتاج إلى بندقية. هذا هو ما فعلته الحركات المسلحة كلها، و نجحت في مسعاها و ها هي في السلطة، و هذا ما تراهن عليه حتى الآن قوى مثل الحركة الشعبية بزعامة عبدالعزيز الحلو، و حركة تحرير السودان، و مؤخرا بعض المكونات بشرق السودان، و لن تكون هذه هي الأخيرة. لماذا ؟

ببساطة لأنه لا يوجد لا مجتمع مدنى و لا قوى ثورة و لا جماهير قادرة على فرض أجندة حقيقية للتحول نحو دولة المواطنة و العدالة و المساواة و الديمقراطية. لا يوجد مجتمع سياسي جدي يحمل هذه الأجندة و من تضعه الأقدار في السلطة هو من يتحكم في كل شيء.

تخيل للحظة أن حركات الهامش لا بندقية لها. أين سيكون موقعها بعد ديسمبر ؟ ستكون عبارة عن قوى متسولة مستجدية للسطة في الخرطوم و التي لن تستمع لها بالطبع. ما تقوله حركات الهامش عن سيطرة العقلية المركزية في الخرطوم هو كلام صحيح تماما.
الإحتكام إلى بندقية دائما هو نتيجة لفشل الجماهير ، أي لفشل الشعب السوداني كله في فرض أجندة إصلاحية على السلطة التي تكون حاكمة، و بسبب الإدراك أن الرهان على الجماهير و على الشعب هو رهان خاسر دائما، و لكنه قد يصادف النجاج المؤقت في بعض الأحيان النادرة حينما يطيح بنظام سياسي ليأتي بنظام سياسي آخر بنفس المواصفات مثلما حدث في ديسمبر و قبلها في أبريل و اكتوبر. إرادة الجماهير التي يتغنى بها الشعراء هي دائما حدث عابر سرعان ما يزول لتعود الأمور إلى طبيعتها. و هذا إن دل إنما يدل على أن الثورات في السودان هي دائما ثورات نيئة و غير حقيقية.

السلطة الحاكمة الآن هي بلا أي شرعية، و “ثورة ديسمبر” لم تعد موجودة. و حينما كتبت محذرا من هذه الحالة قبل سقوط النظام لم أكن أتوقع أنني سأكون في هذا الموقف. كتبت حينها و قلت ان فترة إنتقالية طويلة ستواجه بمشكلتين؛ المشكلة الأولى هي مشكلة وحدة قوى الثورة التي ستكون مهددة بالتفكك كلما طالت الفترة الانتقالية(ما كنت أتصور ان قوى الثورة ستكون بهذه التفاهة )، و المشكلة الثانية هي مترتبة عن المشكلة الأولى و هي مشكلة الشرعية؛ قلت في ظل تفكك قوى الثورة سيكون نظاما بلا شرعية كون شرعيته في الأساس قائمة على الثورة و وحدة قواها، و حينئذ لن يكون الإنقلاب ضدها انقلابا على الثورة (كنت أعتقد حينها أن الإنقلاب سيكون خطرا على الانتقال الديمقراطي؛ يبدو لي الآن أن هناك شروطا موضوعية للإنقلاب ) و إنما سيفهم في إطار الصراع المستمر على السلطة. و نحن الآن بالفعل في هذه المرحلة و لكن بشكل أسوأ. هذه سلطة بلا أساس بلا شرعية بلا مشروع و بلا هدف، و بلا سيد أيضا.

هذه وثيقة دستورية لا يحترمها أحد، لا السلطة و أحزابها و لا جماهير ثورة ديسمبر ولا جماهير الشعب السوداني، فلماذا احترمها إذا كنت معارضا و في وسعي الإطاحة بها ؟

بقي أن نقول أخيرا أن فرص التسوية السياسية الشاملة و الانتقال الديمقراطي ربما ما تزال قائمة، و لكن من الواضح انها، عكس ما يتصور بعض الحالمين لا يبدو أن هناك حراكا قاعديا من جماهير ديسمبر لصياغة هذه التسوية، فهي لذلك لن تتم بواسطة الجماهير الغافلة المشتتة خصوصا جماهير ثورة ديسمبر بوعيها الهش و الزائف، هذه التسوية لابد أن تكون بين القوى التقليدية القديمة،

الأحزاب بكل بؤسها و الحركات المسلحة و القوى الأهلية و المليشيات بالإضافة إلى القوى التي برزت مع ثورة ديسمبر مثل لجان المقاومة و ما شابه إذا برهنت أنها بلغت سن الرشد السياسي. و لكن البديل لهذه التسوية هو الوسائل المجربة و التي برهنت أنها الأكثر نجاعة في واقعنا السياسي بعيدا عن النفاق و الصوابية السياسية المخنثة و هي (أم قدوم عفن) أي البندقية؛ حتى الآن هي الوسيلة الأكثر نجاعة في فرض الحوار و التسويات السياسية في واقعنا.

حليم عباس



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *