مقالات متنوعة

“خيرات البحرين” أنموذج “الاستهبال” الاقتصادي..!!


حتى اللحظة ما زال قرار مصادرة مشروع خيرات البحريني ساري المفعول. ووفقاً لسعادة مفوض مفوضية الاستثمار بالولاية الشمالية السيد بشرى الطيب، فإن ما صدر عن وزارة الخارجية، مجرد تعميم صحفي وليس قراراً يلغي ما تم نزعه وفقاً للقانون. وقال الطيب: (خاطبنا وزارة الخارجية، وأوضحنا لهم أننا قمنا بنزع الأرض وفقاً للقانون والاشتراطات الواردة في الاتفاق الموقع مع دولة البحرين).

يقول السيد الطيب أن البحرينيين لم يلتزموا بأي شيء من تلك الاشتراطات، ولم يستثمروا طيلة هذه المدة التي تقارب العشر سنوات منذ استحواذهم على هذه الأرض شاسعة المساحة، دولاراً واحداً في المشروع. ومع ذلك، ووفقاً للقانون أيضاً، لديهم فرصة شهر للاستئناف على القرار، وهذا هو ما تم توضيحه لوزارة الخارجية. ونوه مفوض الاستثمار، أنه وحتى تاريخه لم يتم أي استئناف من جانب البحرين على القرار للنظر فيه. ويمضي المفوض قائلاً: (في الولاية الشمالية، منذ شهر فبراير الماضي قمنا بنزع 600 مشروع ما بين استثمار وطني وأجنبي، ولم تكن البحرين بالتالي مقصودة على وجه التحديد.

ويحذر السيد الطيب من مغبة تدخل أي جهة غير مختصة في هكذا قرارات استراتيجية، لأن مثل هذا التدخل يهزم الفكرة التي تهدف إلى وضع مصلحة الوطن في المقام الأول من أساسها، كما يضع سابقة من شأنها أن تعرقل أي عمل إيجابي في صالح الوطن في مقبل الأيام.

هذا المشروع الذي مساحته 100 ألف فدان مرخص لدولة البحرين منذ شهر يونيو 2013، ولم تستثمر البحرين حتى اليوم في هذا المشروع لأسباب مجهولة. لكن من خلال متابعتنا لبعض المشاريع كنماذج للاستثمار الخليجي في الولاية الشمالية على الأقل، يتضح أن معظم المساحات لم تستثمر أيضا، ما يثير التكهنات أن الغرض من الاستحواذ هو حجز الأراضي وليس الاستثمار الذي يخدم المصالح المشتركة.

وفقاً لجهات رسمية على سبيل المثال لا الحصر: تستحوذ دولة البحرين على 100 ألف فدان (استثمارها صفر)، وشركة الراجحي تمتلك 417 ألف فدان في الولاية الشمالية وحدها بعقد ايجار لمدة 99 سنة. وقد يندهش القارئ أن “الراجحي” بكل ذاك الضجيج الإعلامي حول القمح لم تستثمر سوى 10% من هذه المساحة. والأدهى والأمر أن ما تسلمته الولاية من محصول القمح من كل هؤلاء المستثمرين مجتمعين بلغ خلال العام الجاري 31 ألف طن فقط. وبحساب متوسط سعر القمح في الأسواق العالمية والذي يقدر بنحو 300 دولار.. يكون ما جناه الاقتصاد السوداني مقابل كل هذه الأراضي المستحوذة أقل من 10 ألف دولار في عام كامل. ثم تتدخل وزيرة الخارجية لإبطال القرارات المهمة والاستراتيجية في مجاملات دبلوماسية ليست في محلها…!!

بالعودة إلى بعض الأراضي المستحوذة، يمتلك آل نهيان 70 ألف فدان في الولاية (واستثماراتهم صفر كذلك)، فضلاً عن بعض الأفراد الذين تتراوح المساحات الممنوحة لهم ما بين 5-7 ألف فدان لكل مستثمر، إلى جانب الشركات الخليجية المتوسطة والصغيرة باستثمارات تتراوح بحدود 50 ألف فدان لكل شركة. كل هؤلاء يستحوذون على الأراضي ولا يستثمرونها والعائد منهم يقل عن 10 ألف دولار خلال العام.. فما هو السبب في عدم الاستثمار يا ترى؟؟ هل الغرض الاستحواذ على الأرض بحد ذاته؟!!

البحرينيون لم يكذبوا في الماضي ولا حالياً، وهم يتحدثون عن المساحة الزراعية التي استحوذوا عليها في شمال السودان قبل ما يقارب نحو 10 سنوات بعقد ايجار لمدة 99 سنة حسب وكالة الأنباء البحرينية (وبإيجار سنوي 3 سنوات حسب وزير الاستثمار). فمشروع خيرات الذي تبلغ مساحته لوحده أكثر من نصف مساحة البحرين يسعى لتعزيز الأمن الغذائي البحريني في مجال الثروتين الزراعية والحيوانية، ولا حديث عن مصالح مشتركة ولا فوائد للجانب السوداني.

الوكالة البحرينية الرسمية نقلت عن الرئيس التنفيذي للصندوق السيادي البحريني (صحيفة العرب 18/10/2018)، محمود هاشم الكوهجي آنذاك قوله: “إننا نستثمر من أجل البحرين، حيث نسعى دائما إلى الاستثمار في القطاعات التي من شأنها المساهمة في دفع عجلة التنمية الاقتصادية في المملكة بصورة فعالة”. كلام في منتهى الصراحة والوضوح يدحض تلك المحاولات التي تسعى إلى تجميل هذا الاستثمار وغيره من الاستثمارات الأجنبية في السودان. غير أن المسؤولين السودانيين زعموا آنذاك أن المشروع مشترك، وأنه يقع ضمن تشجيع فرص الاستثمار في مختلف المجالات. ونقلت الصحف السودانية عن وزير الاستثمار والصناعة بالولاية الشمالية آنذاك، عوض الخير، قوله: “أن الفترة القليلة المقبلة ستشهد المزيد من المشاريع الاستثمارية المختلفة بالشراكة مع القطاع الخاص”. في إشارة إلى أن المشروع استثمار مشترك…!!

البحرين شأنها شأن كافة المستثمرين الأجانب تدخل السودان بأهداف واضحة، فمشروع “خيرات” يأتي ضمن خطة استثمار طويلة المدى في القطاع الزراعي هدفه تحقيق الأمن الغذائي للبحرين وتحقيق (عوائد إضافية لخزينة الدولة)، فضلاً عن تقليص حجم الواردات الغذائية. فالبحرين تستورد نحو 70 بالمئة من الأغذية من منطقة الخليج العرب، وهي تريد تقليص الواردات لأقل مستوى.

من خلال استطلاع بعض المسؤولين يتضح أن السودان ليس لديه استراتيجية للاستثمار المشترك مع رؤوس الأموال الأجنبية. ومع ذلك لا يكف المسؤولين عن الحديث عن الاستثمار الأجنبي، وكأنهم قد درسوا وخططوا جيدا ما يريدون. ما يؤكد ذلك أنه على الرغم من زيادة تدفق الرساميل الخارجية، فإن العائد على الميزان التجاري أو الأمن الغذائي ما زال صفرا. ومع هذا الوضع (غير المواتي)، تقول وزارة الخارجية بأنها اجرت مراجعة مع سلطات الولاية الشمالية للقرار المتضمن إلغاء تخصيص المساحة الزراعية المخصصة لمملكة البحرين الشقيقة “مشروع خيرات البحرين” والتي جاءت في إطار متابعة مشاريع الاستثمار الزراعي التي لم يتم استثمارها أو استغلالها في الولاية، حتى تم إلغاء القرار من منطلق العلاقات المتميزة مع مملكة البحرين الشقيقة. كيف يتم إلغاء القرار ولماذا؟؟

وزارة الخارجية عليها ترك الأمور الاقتصادية لأهل الاقتصاد، وعدم محاولة شراء العلاقات الدبلوماسية على حساب مصالح السودان. يقول تعميم وزارة الخارجية: (نؤكد على إيلاء حكومة الفترة الانتقالية الأولوية القصوى لمشروعات الأمن الغذائي العربي والتكامل الاقتصادي ومع مملكة البحرين الشقيقة بشكل خاص).. المطلوب ان توضح لنا الخارجية مدى انعكاس هذه الاستثمارات الصفرية على الأمن الغذائي السوداني وعلى حياة الإنسان السوداني. ومن المفارقة أن تتحدث معالي وزيرة الخارجية عن الأمن الغذائي العربي ضاربة عرض الحائط بالأمن الغذائي لشعب يجوع حد الموت.

يبدو أن الوقت قد حان لإجراء مراجعة شاملة للاستثمار الأجنبي في البلاد، حتى يكون مسار مثل هذه الاستثمارات في اتجاهين، وفقاً لاستراتيجية واضحة تحدد الأولويات والمستهدفات والمصالح المشتركة بين السودان وضيوفه من المستثمرين.

محمود عابدين

صحيفة التحرير



‫2 تعليقات

  1. عشان ضيفوها في البحرين لمدة اسبوع جاءت وزيرة الخارجية الجاهلة للتدخل فيما لا يعنيها ..مالك انت و مال اراضي الاستثمار و لا السودان ده بقي حقكم يا ال المهدي ؟

  2. النقاط التالية مأخوذة من سياق الخبر فدعونا نعلق على كل نقطة تحتها مباشرة:-
    ١-(يبدو أن الوقت قد حان لإجراء مراجعة شاملة للاستثمار الأجنبي في البلاد، حتى يكون مسار مثل هذه الاستثمارات في اتجاهين، وفقاً لاستراتيجية واضحة تحدد الأولويات والمستهدفات والمصالح المشترك).
    التعليق: الآن وبعد إنفتاح السودان على المجتمع الدولي يجب تغيير كل مشاريع الاستثمار التي أُبرمت في العهد البائد باتفاقيات واضحة للفائدة انسان المنطقة والسودان وكفى إهدار المياه واستهلاك الأراضي بدون عائد.
    ٢- أ-(ومن المفارقة أن تتحدث معالي وزيرة الخارجية عن الأمن الغذائي العربي ضاربة عرض الحائط بالأمن الغذائي لشعب يجوع حد الموت.).
    التعليق:-
    ٢-ب-(وزارة الخارجية عليها ترك الأمور الاقتصادية لأهل الاقتصاد.).
    التعليق:-
    من المفروض عندما يقوم وزير الخارجية بزيارة لإحدى الدول يفترض ان يصحبه كوكبة متنوعة من المسؤولين في شتى التخصصات حتى لا تُبرم اي اتفاقية بدون مراعاة مصلحة الوطن والمواطن.
    ٣- (والأدهى والأمر أن ما تسلمته الولاية من محصول القمح من كل هؤلاء المستثمرين مجتمعين بلغ خلال العام الجاري 31 ألف طن فقط. وبحساب متوسط سعر القمح في الأسواق العالمية والذي يقدر بنحو 300 دولار.. يكون ما جناه الاقتصاد السوداني مقابل كل هذه الأراضي المستحوذة أقل من 10 ألف دولار في عام كامل.)
    التعليق :-
    اذا كان عائد هذه المشروعات كلها بالمساحات الواردة اعلاه لا يتجاوز ١٠ ألف دولار، ما يعني اذا استمر الوضع على ما هو عليه لمدة ٩٩وعام سيكون العائد كما يلي: ١٠٬٠٠٠ في ٩٩= ٩٩٠٠٠٠دولار،ايةاقل من مليون دولار مع ملاحظة استهلاك الأرض والمياه، لذلك ينبغي تغيير كل الاتفاقيات السابقة لمصلحة الوطن والمواطن في المقام الأول.
    اخيرا قرأنا في بعض كتابات كتاب الاعمدة بأن كثير من الدول المستثمرة في السودان، يقترضون من بنوك بلدانهم بغرض الاستثمار في السودان ولكنهم يستمرون الأموال في ماليزيا وإندونيسيا، اذا هذه البلدان تحجز على اراضي المواطنين بدون عائد، ولا يستثمرها المواطن لمصلحته، فما الداعي لهذا النوع من الاستثمارات (الفشوش). أوقفوها واعيدوا للسودان مجده بزيادة الإنتاج من موارد البلد الحقيقية والاستفادة القصوى وقفل باب الاستثمارات الشكلية بلا عائد للمواطن والبلد. واخيرا كما جاء بالخبر، على وزارة الخارجية التحدث فيما يليها من أمور دبلوماسية ولتترك الاقتصاد لأهله، وما بعيد تصريح وزيرة خارجيتنا في مصر حينما قالت ما معناه، أن يأتي المصريين يملأوا الأراضي الفاضية في السودان هل صار السودان مزرعة خاصة لمثل هذه التصريحات الفارغة من المحتوى والمضون.
    اللهم لا حول ولا قوة إلا بك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *