تحقيقات وتقارير

الملف السياسي .. في ظل تواضع الرؤية الوطنية للحل .. أزمة الشرق تتخطى الحدود والمجتمع الدولي يُراقب “المحنة” !!


منذ نحو ثلاثة أسابيع والمجلس الأعلى لنظارات البجا والعموديات المستقلة بقيادة ناظر الهدندوة محمد الأمين ترك وأنصاره، يستمرون حتى الآن في إعلان التصعيد ضد الحكومة الانتقالية، من خلال إغلاقهم التام للإقليم الشرقي، وشل الحياة في الموانئ والمطارات والطريق القومي، وظلوا يتمترسون في خانة المطالبة بإلغاء مسار الشرق الموقع عليه ضمن اتفاقية سلام جوبا، بل أحياناً يطالبون بتغيير طاقم الحكومة المدنية ويطالبون المؤسسة العسكرية بالسيطرة على الحكم وتشكيل حكومة طوارئ بكفاءات مستقلة، وعلى الرغم من وصول وفود حكومية رفيعة المستوى إلى الشرق والدخول في تفاهمات مع الناظر ترك، إلا أن الأمر لم ينتهي بعد، ومما لفت أنظار المجتمع الدولي، وأجبر دول الترويكا على إصدار بيان بشأن الأزمة الراهنة في شرق السودان.

بيان الترويكا

لم يخف المجتمع الدولي ممثلاً في دول الترويكا (الولايات المتحدة وبريطانيا والنرويج) مساندته للحكومة الانتقالية بقيادة مدنية منذ تشكيلها وحتى الآن، وظلت الترويكا حليفاً استراتيجياً للحكومة الانتقالية بقيادة رئيس الوزراء عبد الله حمدوك، وأكدت على دعم حكومته ومساندته حتى انتهاء الفترة الانتقالية والتحول المدني الديمقراطي في السودان بقيام انتخابات حرة ونزيهة، وبشأن الأزمة الماثلة الآن في شرق السودان والتي يتصدر مشاهدها الناظر ترك، فقد كان لمجلس الوزراء رأياً واضحاً لهذه القضية، حيث برهن مجلس الوزراء على أن للشرق قضية عادلة وينبغي النظر إليها في إطار التفاهمات المشتركة والحوار الوطني العميق، وأبدى مجلس الوزراء عبر بيان في خواتيم الأسبوع المنصرم، قلقه إزاء الاستمرار في إغلاق الشرق، وقال أن المخزون الاستراتيجي للدولة فيما يتعلق بالموقف من الأدوية المنقذة للحياة والمحاليل الوريدية وكذلك الدقيق والنفط ينذر بكارثة حقيقية في حال استمرار المحتجون في إغلاقهم للميناء والطريق القومي، معتبراً أن ذلك يعتبر جريمة في حق الملايين من شعب السودان، داعياً الناظر ترك وأنصاره لتحكيم المنطق والمثول للحوار في حل قضاياهم. وعلى ذات النسق لم يخرج بيان الترويكا الخاص بهذه القضية، خصوصاً بعدما فشل كل جهود المكون المدني في احتواء الأزمة وتردد المكون العسكري في التعامل الجدي مع القضية مع واقع مسؤوليته المباشرة في حفظ الأمن والاستقرار . ودعت دول الترويكا (النرويج والمملكة المتحدة والولايات المتحدة)، إلى إنهاء الحصار المستمر للموانئ والبنية التحتية للنقل في شرق السودان. وطلب بيان للترويكا من القادة السياسيين في شرق السودان قبول عرض حكومتهم لمعالجة مظالمهم من خلال حوار سياسي هادف بدلاً من الانخراط في عمل لا يؤدي إلا إلى الإضرار باقتصاد البلاد. قالت الدول الثلاث إنها تدعم بشدة جهود الحكومة السودانية لحل الاحتجاجات في شرق السودان والتي، كما أوضح بيان الحكومة في 3 أكتوبر الحالي، قد يكون لها تأثير خطير على اقتصاد البلاد ورفاهية مواطنيها. وأفادت دول الترويكا أنها تنضم إلى الحكومة الانتقالية التي يقودها المدنيون في الدعوة إلى إنهاء الحصار المستمر للموانئ والبنية التحتية للنقل في شرق السودان. وحثت الجميع في الحكومة السودانية على تكثيف جهودهم لحل هذه الاحتجاجات. وقالت إنها تدرك تحديات التنمية التي تواجه سكان شرق السودان وهي على استعداد لمواصلة العمل بالشراكة مع الحكومة الانتقالية بقيادة مدنية في السودان لمواجهة هذه التحديات. وتابعت “مع الاعتراف بأن هذه قضية داخلية فإن الترويكا تحث المجتمع الدولي على تقديم الدعم الكامل لجهود الحكومة السودانية لحل هذه المسألة وإنهاء الحصار المستمر“.

“الميرغني” في الخط

من المعلوم لكل أهل السودان، بأن زعيم الحزب الاتحادي ومرشد الطريقة الختمية محمد عثمان الميرغني، والذي يقيم حالياً خارج البلاد منذ فترة ليست بالقصيرة، يتمتع بنفوذ واسع في شرق السودان ويدين له بالولاء الغالبية العظمى من الأهالي هناك، ودخولاً في أزمة الشرق، صوب الحزب الاتحادي الديمقراطي الأصل انتقادات عنيفة لطريقة تعامل الحكومة السودانية مع أزمة شرق السودان، عارضا التوسط لحل الأزمة الناشبة بين الحكومة والمجلس الأعلى لنظارات البجا الذي يتزعمه محمد أحمد ترك. حيث شارك نحو 50 من قيادات الحزب الاتحادي في ندوة سياسية عقدت اسفيريا الأربعاء الماضي، اجمعوا خلالها على أن الحكومة تعاملت مع ملف الشرق باستخفاف وتفاعلت معه ببطء شديد مما أدى إلي تمددها وتعقيدها، ونبهوا إلى إن استمرار الحكومة الانتقالية في مسارها الحالي للمعالجة سيؤدي إلي شعور أهل الشرق بالقلق وعدم الطمأنينة. واتفقت شخصيات قيادية في الحزب الاتحادي على فشل سياسة الحكومة الانتقالية في التعاطي مع أزمة شرق السودان. كما وصفوا سياساتها في معالجة أزمة الشرق بـــ(العاجزة) عن إعطاء أمل بإمكانية وجود حلول عادلة للازمة. وعزا المتحدثون في الندوة بطء الحكومة في الوصول إلي حلول لأزمة الشرق إلي عدم فهمها الصحيح لطبيعتها وعدم معرفتها بديناميكيتها. وأكد المتحدثون في الندوة أن ظروف الانتقال المعقدة التي تعيشها البلاد تفرض على الحكومة انتهاج سياسة فاعلة للخروج من حالات الإرباك وقلة الفاعلية عند مواجهة مختلف الأزمات. وشدد القيادي البارز بالحزب حاتم السر، على حقوق أهل الشرق المشروعة والعادلة ووجه نداء خاصا للحكومة بسرعة التفاوض والحوار معهم، لافتا إلى إن الطريق لبناء دولة العدالة والمساواة والقانون، يبدأ بالاستماع لكل الأصوات، ونبذ الإقصاء، وتشريع ما يجعل الجميع شركاء في الحفاظ على الديمقراطية التي تسع الجميع. ومضي يقول: ” الحزب الاتحادي الديمقراطي ليس بمعزل عما يدور في البلاد، وظلّ يتواصل مع أهل الحلّ والربط، وموقفه واضح في العمل على إنجاح المرحلة الانتقالية والوصول بها إلى الانتخابات”. ودعا حاتم السر إلى أن يتوقف الجميع عن حوار الطرشان والدخول في حوار جاد بشأن القضايا التي أثارها المحتجون بشرق السودان لوقف استمرار موجة الاضطرابات التي يشهدها شرق السودان حاليا. كما دعا إلى ضرورة منع حدوث “انهيار اقتصادي” في السودان بسبب إغلاق الميناء والطريق القومي. مشيرا إلي أن الحزب” مستعد لتسهيل هذا الحوار المرتقب بين الحكومة ومكونات شرق السودان، إذا طُلب منه ذلك”. وتابع قائلا: “الاتحادي يريد حل الإشكال، ويرغب في التوصل إلى اتفاق بين الحكومة وأهل الشرق”. وتابع السر:” مولانا السيد محمد عثمان الميرغني، أرسل رسائله الحكيمة، بالصمت والكلام، معبرًا عن رفضه للعبث بأمن الشرق أو المساس بوحدة وترابط نسيجه المجتمعي، ومحذرًا من أي اتجاه لتحويل الصراع الدائر في شرق السودان إلى منحى العنف، وحله بالحوار وعبر الطرق السلمية”. وقال إن الحزب الاتحادي الديمقراطي يقولها بالصوت الواضح: الحوار ولا شيء غير الحوار هو المطلوب لحل أزمة شرق السودان.

كواليس
حميدتي يرفض ولاية المدنيين على جهازي الشرطة والأمن.. هواجس أم حقائق؟

في تطورات جديدة حول طبيعة الصراع الذي بات مكشوفاً بين المكون العسكري والمدني في السلطة الانتقالية، أصدرت قوى إعلان الحرية والتغيير – المجلس المركزي، خواتيم الأسبوع المنصرم بياناً نارياً عن موقفها من مجمل القضايا محل الخلاف مع العسكريين، حيث قال المجلس المركزي في بيان أن الاجتماع ناقش سلسلة الأحداث التي جرت منذ المحاولة الانقلابية الأخيرة وحتى اليوم، موضحاً ان هنالك قوى تسعى للانقلاب على التحول المدني الديمقراطي والسلام وتريد العودة بالبلاد إلى مربع الشمولية. وشدد على ضرورة الالتزام بتنفيذ بنود الوثيقة الدستورية واتفاقية جوبا لسلام السودان، بما في ذلك انتقال رئاسة مجلس السيادة للمدنيين، وفق ما نصّت عليه الوثيقة الدستورية والالتزام بإصلاح وتطوير القطاع الأمني والعسكري، وتنفيذ اتفاق الترتيبات الأمنية الواردة باتفاقية السلام، واعتماد خطة تؤدي لبناء قوات مسلحة سودانية واحدة، وانضمام كافة القوى خارج القوات المسلحة وفق الترتيبات الأمنية. وطالب البيان بان تكون الحكومة المدنية مسئولة مباشرةً عن قوات الشرطة وجهاز المخابرات العامة، وإجراء الإصلاحات اللازمة، بما فيها استيعاب الشباب السودانيين في هذه الأجهزة وتطويرها في ظل الحكم المدني الديمقراطي. بالمقابل، فجّر النائب الأول لرئيس مجلس السيادة الانتقالي محمد حمدان دقلو (حميدتي)، أزمة جديدة مع الشريك المدني في الفترة الانتقالية، متعهداً عدم تسليم جهازي المخابرات العامة والشرطة، إلى المكون المدني، باعتبارهما جهازين عسكريين. وقال دقلو: «هذه أجهزة عسكرية لن نسلمها إلا لرئيس منتخب»، واتهم الحكومة المدنية بأنها تريد السيطرة على الجهازين لممارسة البطش واستعادة حكم «قراقوش»، وفي ذات الوقت نفى وجود أي شروط أو حديث حول تسليم رئاسة المجلس السيادي للمدنيين وفقاً للوثيقة الدستورية. بدوره توعد وزير رئاسة الوزراء خالد عمر يوسف بالتصدي الجدي والصارم، لتصريحات حميدتي، واعتبرها خرقاً للوثيقة الدستورية الحاكمة للفترة الانتقالية. وفي الأثناء ارتفعت أصوات كثيرة من جمهور قوى الثورة السودانية تدحض حديث حميدتي عن رفضهم لتسليم المدنيين لجهازي الشرطة والأمن والمخابرات بحجة أن في ذلك نية للمدنيين في بشط المواطنيين، واستنكروا ذلك، وعلق كثير من النشطاء على حديث حميدتي بوضع صور لمجزرة فض الاعتصام تظهر فيها قواته وهي تمارس الضرب والتنكيل بالثوار. وبالمقابل يرى مراقبون أن رئاسة المدنيون لوزارة الداخلية التي تضم جهاز الشرطة ليست غريبة ولا بدعة ابتدعتها الثورة، حيث سبق وأن تقلد مدنيون رئاسة الداخلية وكان جهاز الشرطة يقع تحت سلطاتهم، وحتى في عهد النظام السابق الذي كان حميدتي هو أحد حراسه، ترأس وزارة الداخلية مدنيون: مثل ، أحمد بلال عثمان، وبشارة جمعة أرور، وإبراهيم محمود، وغيرهم، كما لم يسلم جهاز الأمن نفسه من رئاسة المدنيين أمثال، قطبي المهدي، ونافع علي نافع، وأضاف المراقبون بأن هؤلاء المدنيون المذكرون تقلدوا رئاسة الداخلية وجهاز الأمن في عهد نظام شمولي أيدولوجي فاسد، فما الذي يمنع تقلدهم للجهازين في عهد الثورة والحريات والسلام وطريق التحول المدني؟ وتساءلوا ما الذي يخافه حميدتي في حال تولي المدنيون لرئاسة الداخلية وجهاز الأمن؟؟.

همهمة الشارع
هواجس الخبز تعود وعيون الناس تراقب “الشرق”
اشتكى عدد كبير من المواطنيين من عودة الصفوف أمام المخابز وارتفاع سعر الرغيف التجاري وانعدام المدعوم ، وفي عدد من الولايات تفجرت أزمة الحصول على الخبز من جديد، بيد أن معظم أحاديث الناس تدور حول افتعال أزمة في الشرق بأجندة سياسية لا تخطئها العين المجردة!!

سؤال الملف
ما الذي يُقنع المكون العسكري بأن المجتمع الدولي لا ينظر للمكون المدني في الحكومة بذات الزوايا الضيقة؟

عبدالناصر الحاج
صحيفة الجريدة



تعليق واحد

  1. دول الترويكا وازدواجية المعايير لماذا وقفت مع حرب دارفور ضد حكومة السودان والان تقف مع الحكومة ضد احتياجات الشرق لشىء فى نفس يعقوب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *