مقالات متنوعة

حمدوك وتحديات الفترة المقبلة (2/2): الحرب عبر ال “فيك نيوز” … أيسرقون بها الثورة …؟!

د. محمد بدوي مصطفى

جس نبض الشارع والفيك نيوز:
حقيقة يا سادتي أننا كلنا نعاني في الوقت الحالي من الأخبار الكذوبة والكاذبة، ومن آثار النشرات المضللة للرأي العام، فصرنا وحدث ولا حرج ضحايا هذا العالم المريب الغريب الذي اتبنى وكأنه قصر واهن من البطاقات أو الكرتون أو كما العهن المنفوش. صرنا نعاني نفسيًا وبشدة، ونجاهد بصبر وجلد أن نعي ونفهم ماهية الراهن السياسي والاجتماعي في بلادنا بدون زيف وعلى أرض الحقيقة. طفقنا نحارب بث الأساطير من جهة وانتشار البغضاء والحقد بين الشعوب من جهة أخرى وياما قامت حروب افتراضية شعواء لا يشق لها غبار، نالت العرض والشرف والسمعة، ولا نزال نراها قائمة بين الشعوب، لا سيما العربية، على سبيل المثال لا الحصر: بين السودان ومصر، بين المغرب والسعودية، بين سوريا وتركيا، بين العراق وأمريكا، الخ، نعم، إننا نعاني بشدة من تلل الأساطير، دعونا نطلق عليها مصطلح “أساطير الآخرين بدلًا من الأولين”. ما بالنا نبث كل ذلك عن شعوب أو مجتمعات أو أناس لا علاقة لهم البتة بتلك بالأخبار التي تسئ إليهم وإلى شرفهم، عن السودانيين والصعايدة والمغاربة والأتراك والمصريين، ووو الخ؛ ولو بحثنا لوجدنا أن هذه الأساطير قد خلقت لكل فئة ملفًا، صُنفوا فيه بكل أسف كالأنعام، أو أشد بؤسًا. حقيقة يا سادتي كل ذلك يُكتب، ينشر أو يبث عن تلك الأمم التي صارت تعاني من النظرة النمطية إليها دون ذنب اغترفته، فهل من سبيل إلى حلّ ناجع وطريق فاجع يردع كل من سولت نفسه أن يشاهر بشرفها وأمنها وأمانها؟
وهكذا الحال في بلدنا السودان، فالأخبار الكاذبة المضللة تظل حديث الساعة، لا سيما لدى الحكماء العقلاء الذين يتوخون فيها المصادر الأساسية والصحيحة. فالوازع الذي دعاني لكتابة هذه المقدمة هو بالأساس الخبر الذي نُسب لقناة فرانس ٢٤، التي تزعم فيه، إن حقيقة أم بهتانا، أن الفريق عبد الفتاح البرهان قد صرّح بأن العسكر سوف يقدمون أنفسهم للانتخابات القادمة بعد انتهاء الفترة الانتقالية، بما في ذلك قوات الدعم السريع. ونجد أن هذا الخطاب بائن من عنوانه، فإن كان الفريق قد صرّح بذلك فعلًا، إذن فهي المصيبة والطامة الكبرى، وإن كان قد نفى الخبر بعد حين، فيعني ذلك أنهم في المجلس السيادي وفي قيادات الحركات المسلحة، التي ارتكزت كلها على اتفاق جوبا، أنهم في الطريق إلى سرقة إنجازات الثورة. فإن عزموا على حكم البلاد عسكريًا، كما هي الحال في بلدان مجاورة، فعلى الدنيا السلام. فكلنا يا سادتي ضحايا في هذا العصر الرقمي، الذي تتخبط فيه الأخبار خبط عشواء. فلا نقر أن نفرق بين الحقيقة والخيال؟
نعود لنقول إنّ قضية بث مثل هذه الأخبار من مؤسسات حكومية وعامة ينبغي أن يُتَوّخى في شأنها الحكمة والعقل، إذ أنّ هذه المهازل قد صارت في الآونة الأخيرة كشرب الماء. لقد أدخلتها مواقع التواصل الاجتماعي إلى صالون السياسة من أوسع الأبواب وعلى أكبر نطاق، كما وعممها الرئيس الأمريكي الأسبق دونالد ترامب بإسهاب فصارت مع كل أسف العادة لا الطفرة، بيد أنها من قبل، كانت حقيقة قابعة في أوساطنا، حتى قبل عصر العولمة والتواصل الرقمي، بيد أنّها لم تعرف بمصطلحها الآني المتداول لدى الكل ك: فيك نيوز.
على أيّة حال يجب أن نذكر بخطورة هذا الأمر وأن وسائل التواصل الاجتماعي تشهد أعدادا مأهولة من الأخبار المضللة والتي يمكن أن نطلق عليها مزيفة وهي تخدم بالأساس أجندات جماعات بعينها، وقد تختلف في طرق خلقها وبثها والتعامل معها. نجد في الآونة الأخيرة، أنه صار لكل فرد منّا وازعًا لا يستهان به في بثّ العديد منها، حسب انتقائه، تقبله وثقته بها. ذلك دون أدنى رقيب أو حفيظ فيما تحتويه من مضامين ضارة كانت أم نافعة، صادقة كانت أم كاذبة، كل ذلك دون رقابة أي مؤسسات أو أطر أو معايير مهنية تُعنى بنقلها وتمحيصها أو نقل الأخبار عموماً وتغطية أخبار الشارع العربي. للأسف لقد عزز هذا الأمر من تكاثر الاستخدام العشوائي الذي كان له دورًا بيّنًا وأثرًا ملموساً في بانوراما الحسابات السياسية والمجتمعية؛ فأحدث حالة من الضرر البالغ والإيذاء الجماعي والجمعوي البيّن في عصرنا الحاضر على حد سواء.
هناك خبران قرأتهما في الآونة الأخيرة وهما يثيران الشك والريبة، انتشرا خلال اليومين السابقين كانتشار النار على الهشيم؛ الأول منهما يُعنى بتصريح البرهان لدى قناة فرانس ٢٤، الذي جاهر فيه – حسب الرسالة، بأحقية العسكر في الاشتراك بالانتخابات القادمة؛ والثاني يقول أن رئيس الوزراء الدكتور عبد الله حمدوك رجع إلى بيته وعزف تمامًا عن العمل، وأنّه لن يرجع إليه إلا بشرط، أن تطبق كل شروطه “المستحيلة”، حسب الخبر، فالعلم لله إن كانت تلك أخبار كاذبة أم صادقة. لذلك أكرر وأقول أننا نشهد في الفترة منذ اندلاع الثورة وإلى الآن حربا شعواء قوامها الأخبار الكاذبة وهذه بحد ذاتها تعتبر عقبة من العقبات الكبيرة التي ينبغي أن نتصدى لاه وهي تقف كإحدى التحديات دون أدنى شك في طريق رئيس الوزراء، وكحجر عثرة في طريق تحقيق أهدافه، كإحدى التحديات العارمة التي لن يستطيع التغلب عليها إلا بسند ومرجعية ثورية وجماهرية كبرى. إنّ هذا الارتفاع العظيم في نسبة الأخبار الكذوبة المتداولة هو دون أدنى شك سلاح من عزموا أن يحكموا السودان وحتى وإن كلفهم ذلك مال الدنيا وما فيها. يمكرون ويتداولون – وكما تقول الأغنية يتغامزون – الأخبار المضللة للشعب وللثوار وهي كلها مزيفة من الأصل، تُبث بمختلف أشكالها وأنواعها ليصلوا إلى شيء واحد: حكم السودان والتمكن من كل صغيرة وكبيرة فيه، ومن ثمة استنزاف ثرواته التي يعيشون وأهليهم عليها، وما فقدوا الأمل أبدًا في مواصلة المشوار إلى أن يشاء الله. لكن هل يخلفون الله على الأرض – كما زعموا – وهل سيحسنون العمل كما أشاعت أكاذيبهم تلك؟ وهل يلدغ الثوريّ من جحر مرتين وهي يستطيعون مجابهة الطوفان الثوري الذي انبرى لهم منذ سنتين ونيف؟ وهل هم على استعداد وإن كلفهم الوصول إلى الحكم قتل نصف الشعب؟ يا إلهي هل هذا كابوس أم حقيقة؟ لماذا لا ينصاعون لمشيئة الرب وأنّه يؤتي الملك لمن يشاء، ولقد آتاه الله لمن أراد التغيير ولمن أراد أن يعيش كريمًا عزيزًا في وطنه. أليسهم أهل لذلك؟ في الحقيقة تعجز الكلمات عن وصف هذه الحرب الضروس التي لا تأتي فقط من مواقع التواصل الاجتماعي فحسب بل حتى من علياء المنابر ومن جماعات وأقران شيوخ الزيف وأهل الملق والتملق الذين رقصوا كما رقص كبيرهم الذي علمهم السحر، بشير بلا بشارة وعمر بلا عُمْر، وحسن بلا أدنى حُسن يذكر. بل هو أشد بؤسًا من ذلك. نعم، كبيرهم ونبيهم ووليهم، فكم من مرّة ركعوا له ولدولاراته المسروقة من خزائن الدولة ومن حرّ مال الشعب ومما أعطى الله الوطن من دعم خارجي. كلها دخلت أجربتهم وجيوبهم وهذه لا تزال تقول: هل من مزيد؟ فلله درك يا بلدي ولله دركم ودرّكن يا ثوار ويا ثائرات فالطريق لا تزال وعرة والمشوار لا يزال طويل ولكل مجتهد نصيب. ولا يسعني ألا أن أقول في هذا المقام والمقال قولة الشاعر التونسي البار ببلده، أبو القاسم الشابي، أبو الشعراء الثائر:
إذا الشعب يومًا أراد الحياة فلا بد أن يستجيب القدر (وقد استجاب هذا الأخير وسيستجيب أوله وآخره)؛ ولا بد لليل أن ينجلي ولا بد للقيد أن ينكسر (والقيد أنكسر وسينكسر ثانية وثالثة والثورة ستستمر والله حليفك يا عازة والله مع الصابرين.)

يجب أن نحذر … التأثير على صنع القرار:
إن حملات بني كوز مستمرة ولم تتوقف أبدًا وهم في دأبهم يعمهون، فإن تداعيات هذا الكم الهائل والتدفق المريع من المعلومات الكاذبة على الثورة (على شاكلة حدث ما حدث) ثقل الكاهل، ولا تزال قضية فض الاعتصام شوكة في نحورهم ولن يفلت الخائنون من عقابها وعواقبها. لقد تجاوزت المحنة وبلغ بها السيل الزبى فصارت تصب في مجالات أخرى عديدة، تتموقع في خطاب يدعو إلى الكراهية وأن الثوار حفنة من الصعاليك الغدرة، وكل ذلك يهدف بدوره إلى التأثير على مراكز القرارات السياسية وعلى المنظومة الانتخابية، وهي بالأساس خطة مدروسة بعمق وذكاء خارق للعادة، فيجب أن نتوخى الحذر، وأهلنا يا سادتي بسطاء أوفياء وفقراء وكثير منهم دون أدنى مقومات التعليم أو الاستنارة، لذلك نراهم يصدقون كل من يأتي إليهم ببضع شوالات من العيش أو الذرة، ليقول لهم بكل تكبر (أنظر قصيدة الشاعر نزار قباني في أسفل المقال) أنا ربكم الأكبر، أنا الأوحد الذي سيخرجكم من الظلمات إلى النور، أنا الأول والأخر والأجمل والأمثل من بين الكائنات، على حد قول الشاعر أعلاه في السيرة الذاتية لسياف عربي، يا للإبداع، فكيف وصفهم بأدق الصفات ونحرهم بقلمه وبسيفهم الذي يشهرونه على الكل حتى يكون السلطان والكلمة الأخيرة لهم ولا لأحد غيرهم. منادين أنها إرادة البارئ وحكم الخالق في خلقه وما عليهم إلا البلاغ المبين وما علينا نحن الشعب، إلا أن ننصاع لذلك. لكن هيهات فالبرهان – اقصد برهان ربي – وليس الذي انفرد بالقصر والصولجان والكرسي، في سبيل الوفاء بنبوءة أبيه سيفعل المستحيل لكن الأيّام دول. ونقول لهم جميعا، كل من عليها فان في هذه الدنيا وتبقى فقط أعمالنا الصالحة وحبنا لأوطاننا ونكراننا للذات في سبيل الحرية، والسلام والعدالة، فهلا يفقهون؟! سوف يستمرون ويحاولون مرارًا أن يختلسوا السانحة في إحداث البلبلة بين فئات الشعب المختلفة وإثارة الضجات والكوارث ليلطخوا شرف الثورة والثوار بالدنس. فرغم ذلك فإن الثورة مستمرة إلى أن يشاء الله، وحتى يبعث الرب فينا حكما ديموقراطيا عادلا ينعم به كل فرد في هذا البلد المعطاء. السودان، بلد المليون ميل مربع المبتورة، أعطى وما فتئ، جاد بكل ثمين ونفيس من أجل كرامة الإنسان على أرضه. أين هم الآن أولئك الأبطال، عمالقة السياسة والأدب والحكمة مثال المحجوب والهندي والفضلي والأزهري، الذين لم يخشوا في الله لومة لائم. والسؤال الذي يطرح نفسه لماذا يتهافت العسكر على كراسي الحكم والسلطان، على عكس أولئك الأوائل، ولماذا يجري ورائهم تجار الدين فما شأنهم بالسياسة والحكم، أليسهم خلقوا لحماية تراب الوطن؟ إنها علامات آخر الزمان يا سادتي. وأنا مدرك تمامًا فحوى المثل الذي يقول دع الخبز للخباز، وذلك القول يقودنا أن نقول: دع السياسة للسياسيين والحكم للحاكمين والملك للمالكين، حتى لا تنقلب الأحوال رأسًا على عقب. ومن يدرينا ربما يريدون امتطاء كل المهن والمصالح والمعارف دون فرز وهم بعيدون عنها بعد الأرض عن السماء. فالديموقراطية وبُعد العسكر عن الكراسي هو الحل – على حد قول الأديب علاء الأسواني (الديموقراطية هي الحل). والعسكر ينبغي أن يعود إلى الثكنات وأن يوحد الصفوف ويجعل من كلمته كلمة واحدة فإن هذا التضارب والتناحر على ممتلكات وثروات السودان بين القوات المسلحة وقوات الدعم المريع ما هو إلا سمّ نقوع، فتّاك بكل ما تحمل هذه الكلمة من معانٍ. دعونا في حالنا بربكم واتركوا شعلة الثورة تشتعل لتستعر في كل قلب نابض بالوطنية وحب السودان.

خاتمة:
إن الاعتراف بحجم الخطر المداهم للثورة من تداول هذه الأخبار الزائفة في قضية تسليم الحكم للمدنيين سيساهم بشكل جذري وبقوة في مكافحة التضليل وتحصين الثورة والمجتمع والفرد على حد سواء من مآلات الثورات المضادة وسياسة التمكين والانقلاب على إنجازات الشعب السوداني الحرّ. فكونوا يا ثوار بلادي كلكم عين ساهرة على هذه الظاهرة التي تتمثل في حرب شعواء على المدنية وكونوا ساهرين حتى نصل إلى بر الأمان وسنعبر بإذن الله مهما كلفتنا التحديات والعقبات وستصبح يا سوداننا حرًا طليقاً، يا وطني يا سلّة العالم للغذاء، يا معلم الشعوب. والفجر آت لا محالة والمدنية بإذن الله على الأعتاب بل هي قاب قوسين أو أدنى، هناك خلف أسوار المدينة.

اقتباس
د. فرانسيس دينق *
في العام 1989م، بعد ثلاثة أشهر فقط مِنْ عملية استيلاء عمر حسن البشير على السُّلْطَة عبر انقلابه العسكري، والذي أسماه بـ(ثورة الإنقاذ الوطني) على نحوٍ مثير للجدل، عدتُ إلى السُّودان مِنْ الولايات المتحدة، عازماً على مقابلة الحكام الجدد والتعرف عليهم وعلى خططهم لإدارة البلاد. بتيسير مِنْ مولانا أبيل ألير الذي جعلني على اتصال بالعقيد مارتن ماشواي ملوال، أحد أعضاء مجلس قيادة الثورة الجنوبيين الثلاثة، تشرفتُ بلقاء جميع أعضاء مجلس القيادة. وكان رئيس الوزراء السابق الصادق المهدي وأعضاء حكومته البارزين رهن الاعتقال في سجن كوبر.
في لقائي مع قائد الثورة عمر حسن البشير، طلبتُ منه السماح لي بزيارة الصادق المهدي في السجن. تفاجأ عمر البشير في البداية بطلبي. “أتريد زيارته في السجن؟”، هكذا سألي، غير مصدقاً كلامي. فأوضحتُ له إن الدافع وراء زيارتي له نابعٌ مِنْ منطلق إنساني بحت، وليس متصلاً بأسبابٍ سياسية. وبما أنني كنتُ التقي دائماً بالصادق كلما زرتُ البلاد، فلن يبدو الأمر جيداً بالنسبة له، أن يُشَاهِدُ في الأخبار أنني كنتُ في البلاد ولم أزوره. حينئذٍ فهم عمر البشير فحوى حديثي وسمح لي بالزيارة.
*وجدتُ السيد الصادق والسيد محـمد عثمان الميرغني في غرفةٍ صغيرةٍ تكاد تستوعب سريرين ويلامسان بعضهما البعض، وكانا ينامان بالقرب من بعضهما. *
إنّ ما شاهدته كان أكثر واقعية. وقد أكد ذلك أن السُّلْطَة السياسية متقلبة، وأن الصعود إلى القمة والهبوط إلى أدنى مستوى مرتبطان بشكلٍ وثيق. كان هناك شيء محزن للغاية، ولكنه كان إنسانياً ومتساوياً في تلك التجربة. في طريقنا إلى سجن كوبر، قال لي بكري حسن صالح، عضو مجلس قيادة الثورة والمسؤول عن الأمن حينها، والذي رافقني إلى سحن كوبر، مازحاً: “يا دكتور، دا استثمار للمستقبل”. وأضاف: “علشان تزورنا لمن دورنا يجي”. ضحكنا على النكتة، لكننا لم نكن نعلم أنه كان يتنبأ بما سيحدث في المستقبل.
وبعد ثلاثين عاماً، جاء دورهم، وقررتُ أن أفي بما أصبح بالنسبة لي تعهداً مقدساً، على الرغم مِن أن طلبه في البداية كان على سبيل المزاح. ومِن منظورٍ إنساني مميز، وإن كان متناقضاً في هذا السياق أيضاً، فقد منحني اللواء عبد الفتاح البرهان الإذن بزيارة عمر حسن أحمد البشير وبكري حسن صالح في سجن كوبر. ضحك كلاهما عندما تذكرتُ حديثي المضحك مع بكري قبل ثلاثين عاماً، لكنهما كانا في غاية التقدير لكوني قد كرمتُ الطلب. التقيتُ الاثنين بشكلٍ منفصل في مكتبٍ متواضعٍ لمدير السجن.
ومنذ أن التقيتُ بهم في مناسبات عديدة في ذروة قوتهم السياسية، أتضح لي مرةً أُخرى درجات الصعود والنزول لديناميكيات السُّلْطَة. ومرةً أُخرى، كما فعلتُ عندما زرتُ الصادق المهدي، في نفس السجن قبل ثلاثين عاماً، فكرتُ في الدروس والعبر التي يمكن استخلاصها من هذه المفارقات. يبقى هذا الأمر سؤالاً مثيراً للاهتمام يتطلب تفكيراً جاداً.

السيرة الذاتية لسياف عربي: نزار قباني
أيها الناس:
لقد أصبحت سلطانا عليكم
فاكسروا أصنامكم بعد ضلال، وابعدوني…
إنني لا أتجلى دائما..
فاجلسوا فوق رصيف الصبر، حتى تبصروني
اتركوا أطفالكم من غير خبز
واتركوا نسوانكم من غير بعل .. واتبعوني
احمدوا الله على نعمته
فلقد أرسلني كي أكتب التاريخ،
والتاريخ لا يكتب دوني
إنني يوسف في الحسن
ولم يخلق الخالق شعرا ذهبيا مثل شعري
وجبينا نبويا كجبيني
وعيوني غابة من شجر الزيتون واللوز
فصلوا دائما كي يحفظ الله عيوني
أيها الناس:
أنا مجنون ليلى
فابعثوا زوجاتكم يحملن منى..
وابعثوا أزواجكم كي يشكروني
شرف أن تأكلوا حنطة جسمي
شرف أن تقطفوا لوزى وتيني
شرف أن تشبهوني..
فأنا حادثة ما حدثت
منذ آلاف القرون..
2
أيها الناس:
أنا الأول والأعدل،
والأجمل من بين جميع الحاكمين
وأنا بدر الدجى، وبياض الياسمين
وأنا مخترع المشنقة الأولى، وخير المرسلين..
كلما فكرت أن أعتزل السلطة، ينهاني ضميري
من ترى يحكم بعدى هؤلاء الطيبين؟
من سيشفى بعدى الأعرج، والأبرص، والأعمى..
ومن يحيى عظام الميتين؟
من ترى يخرج من معطفه ضوء القمر؟
من ترى يرسل للناس المطر؟
من ترى يجلدهم تسعين جلدة؟
من ترى يصلبهم فوق الشجر؟
من ترى يرغمهم أن يعيشوا كالبقر؟
ويموتوا كالبقر؟
كلما فكرت أن أتركهم
فاضت دموعي كغمامة..
وتوكلت على الله …
وقررت أن أركب الشعب..
من الآن.. الى يوم القيامة..
3
أيها الناس:
أنا أملككم
كما أملك خيلي .. وعبيدي
وأنا أمشي عليكم مثلما أمشي على سجاد قصرى
فاسجدوا لي في قيامي
واسجدوا لي في قعودي
أولم أعثر عليكم ذات يوم
بين أوراق جدودي؟؟
حاذروا أن تقرأوا أي كتاب
فأنا أقرأ عنكم..
حاذروا أن تكتبوا أي خطاب
فأنا أكتب عنكم..
حاذروا أن تسمعوا فيروز بالسر
فإني بنواياكم عليم
حاذروا أن تدخلوا القبر بلا إذني
فهذا عندنا إثم عظيم
والزموا الصمت، إذا كلمتكم
فكلامي هو قرآن كريم..
4
أيها الناس:
أنا مهديكم ، فانتظروني
ودمى ينبض في قلب الدوالي، فأشربوني
أوقفوا كل الأناشيد التي ينشدها الأطفال
فى حب الوطن
فأنا صرت الوطن.
إنني الواحد، والخالد ما بين جميع الكائنات
وأنا المخزون فى ذاكرة التفاح، والناي،
وزرق الأغنيات
ارفعوا فوق الميادين تصاويري
وغطوني بغيم الكلمات
واخطبوا لي أصغر الزوجات سناً..
فأنا لست أشيخ..
جسدي ليس يشيخ..
وسجوني لا تشيخ..
وجهاز القمع في مملكتي ليس يشيخ..
أيها الناس:
أنا الحجاج إن أنزع قناعي تعرفوني
وأنا جنكيز خان جئتكم..
بحرابى.. وكلابي.. وسجوني
لا تضيقوا – أيها الناس – ببطشي
فأنا أقتل كي لا تقتلوني….
وأنا أشنق كي لا تشنقوني..
وأنا أدفنكم في ذلك القبر الجماعي
لكيلا تدفنوني..
5
أيها الناس :
اشتروا لي صحفا تكتب عنى
إنها معروضة مثل البغايا في الشوارع
اشتروا لي ورقا أخضر مصقولاً كأعشاب الربيع
ومدادا .. ومطابع
كل شيء يشترى في عصرنا .. حتى الأصابع..
اشتروا فاكهة الفكر .. وخلوها أمامي
واطبخوا لى شاعرا،
واجعلوه، بين أطباق طعامي..
أنا أمي.. وعندي عقدة مما يقول الشعراء
فاشتروا لى شعراء يتغنون بحسنى..
واجعلوني نجم كل الأغلفة
فنجوم الرقص والمسرح ليسوا أبدا أجمل منى
فأنا، بالعملة الصعبة، أشرى ما أريد
أشترى ديوان بشار بن برد
وشفاه المتنبي، وأناشيد لبيد..
فالملايين التي في بيت مال المسلمين
هي ميراث قديم لأبى
فخذوا من ذهبى
واكتبوا فى أمهات الكتب
أن عصري عصر هارون الرشيد…
6
يا جماهير بلادي:
يا جماهير العشوب العربية
إنني روح نقى جاء كي يغسلكم من غبار الجاهلية
سجلوا صوتي على أشرطة
إن صوتي أخضر الايقاع كالنافورة الأندلسية
صوروني باسما مثل الجوكندا
ووديعا مثل وجه المدلية
صوروني…
وأنا أفترس الشعر بأسناني..
وأمتص دماء الأبجدية
صوروني
بوقاري وجلالي،
وعصاي العسكرية
صوروني..
عندما أصطاد وعلا أو غزالا
صوروني..
عندما أحملكم فوق أكتافي لدار الأبدية
يا جماهير العشوب العربية…
7
أيها الناس:
أنا المسؤول عن أحلامكم إذ تحلمون..
وأنا المسؤول عن كل رغيف تأكلون
وعن العشر الذى – من خلف ظهري – تقرأون
فجهاز الأمن في قصرى يوافيني
بأخبار العصافير .. وأخبار السنابل
ويوافيني بما يحدث في بطن الحوامل
أيها الناس: أنا سجانكم
وأنا مسجونكم.. فلتعذروني
إنني المنفى في داخل قصرى
لا أرى شمسا، ولا نجما، ولا زهرة دفلى
منذ أن جئت الى السلطة طفلا
ورجال السيرك يلتفون حولى
واحد ينفخ ناياً..
واحد يضرب طبلا
واحد يمسح جوخاً .. واحد يمسح نعلا..
منذ أن جئت الى السلطة طفلا..
لم يقل لي مستشار القصر (كلا)
لم يقل لي وزرائي أبدا لفظة (كلا)
لم يقل لي سفرائي أبدا في الوجه (كلا)
لم تقل إحدى نسائي في سرير الحب (كلا)
إنهم قد علموني أن أرى نفسي إلها
وأرى الشعب من الشرفة رملا..
فأعذروني إن تحولت لهولاكو جديد
أنا لم أقتل لوجه القتل يوما..
إنما أقتلكم .. كي أتسلى..

محمد بدوي مصطفي

صحيفة التحرير

تعليق واحد

  1. وانا اتعهد بزيارتك يا محمد بدوي عندما يأتي دور القحاتة و الشيوعيين الملاحدة بسجن كوبر قريباً ان شاء الله 😂😂😂