رأي ومقالات

الحرب الهجينة.. حرب الكرامة نموذجا

لم يتفق الخبراء و الباحثون العسكريون بعد على مفهوم واحد او متطابق ل ( الحرب الهجينة Hybrid warfare )، و هى مفهوم ظل منذ قديم الزمان موجودا دوما و ملازما للحروب كمفهوم و لكنه كاصطلاح انما ظهرا مؤخرا و اخذ ابعادا متزايدة و متوسعة ظلت تتطور مع تطور طبيعة و استراتيجيات و تكتيكات و تقنيات الحرب و القتال. كما ان المفهوم بدأ في اتخاذ معان واسعة و فضفاضة تتواكب مع طبيعة التطور التكنولوجي و الفكري للحياة.

لكن رغم ذلك يمكن القول ان هناك جملة من التعريفات للحرب الهجينة يمكن ان نوجد قاسما مشتركا بينها اساسه (استخدام مناهج و وسائل و طرق و ادوات و معدات تقليدية و غير تقليدية بما في ذلك المجال السيبراني و النطاق الجغرافي في الحروب).

و حديثا تعتبر روسيا من الدول التي عملت بتطببق مفهوم الحرب الهجينة و اظهرته في عملياتها بسوريا و في شبه جزيرة القرم باوكرانيا ، و كذلك في منطقة دونباس. كما تعد حرب غزة و عمليات طوفان الاقصى و كذلك حرب حزب الله بلبنان في العام 2006 ضد قوات الدفاع الإسرائيلي من صنوف الحرب الهجينة.

في العام 2001 و بعد اجتماع لوزراء دفاع دول حلف الناتو، قال أمين عام الحلف يانس ستولتينبرغ عن الحرب الهجينة، أنها «تزاوج أنواع مختلفة من التهديدات، تتضمن استخدام الوسائل التقليدية والتخريبية والسيبرانية».كذلك يقول فرانك هوفمان وهو جندي سابق في مشاة البحرية الأميركية (المارينز) وباحث في شؤون الدفاع 🙁 تتضمن الحروب الهجينة مجموعة من أنماط الحرب المختلفة، بما في ذلك القدرات التقليدية والتكتيكات والتشكيلات غير النظامية والأعمال الإرهابية التي تشمل العنف العشوائي والإكراه والفوضى الإجرامية ويمكن أن يكون هذا التنوع في الإجراءات من عمل الفاعل نفسه).اما مؤسسة (راند RAND) فتعرف الحرب الهجينة بأنها “نشاطات خفية قابلة للإنكار تدعمها قوات تقليدية أو نووية بغرض التأثير على السياسة الداخلية للبلدان المستهدفة”.

و يبدو ان الحرب الهجينة ظلت تكرس لاعمال مبدأي المفاجأة و الخديعة و هما مبدآن ملازمان لكافة انواع و مستويات الحروب و العمليات العسكرية و القتالية و ذلك من خلال اتباع مسالك و اجراءات و تدابير غير مألوفة و غير متوقعة يستخدمها كل طرف لمقابلة او تجاوز او تجنب نقاط القوة عند الطرف الآخر. كما ان الحرب الهجينة تعمل نحو تحقيق اهدافها لخلط كل الاوراق و فرض حالة من الضبابية و الغموض على كل شئ فتختلط الالوان و تضيع كل المسافات الفاصلة بين السلام و الحرب، و بين الامن و الاضطراب،و بين الحق و الباطل، لذا يصف المركز الأوروبي للتميز لمكافحة التهديدات الهجينة، في هلسنكي، الحرب الهجينة بأنها “تتسم بالغموض حيث يطمس الفاعلون المختلطون الحدود المعتادة للسياسة الدولية، ويعملون في الواجهات بين الخارج والداخل والقانوني وغير القانوني والسلام والحرب”.

ان ما شهدته البلاد من حرب و التي اندلعت في 15 ابريل من العام 2023 يمثل صورة حية و حقيقية للحرب الهجينة و يصلح لدراسة عصرية و واقعية لهذا المفهوم لما احتوته من كافة اشكال الفعل التي تثبت و تشرح كل المفاهيم التي فسرت و شرحت معنى هذا النوع من الحروب. و ابرز هذه الملامح من حيث العموم هو:
* قتال قوات يمكن تصنيفها بانها خليط من قوات (نظامية، شبه نظامية، غير نظامية) تحت قيادة موحدة احيانا و غير موحدة احيانا.

*.* تعدد لمراكز القيادة و السيطرة بمختلف الجبهات و المواقع احيانا و توحدها احيانا و بمختلف مستويات القتال و العمليات.
* اسناد القتال باسلحة و تكتيكات تقليدية و غير تقليدية و نظامية و غير نظامية و القيام باعمال و انشطة ارهابية و اجرامية في ذات الوقت.
* استخدام وسائل عسكرية و غير عسكرية ضد العدو و كذلك ضد العزل و المدنيين في كثير من الاحيان.

* محاولة تحقيق اهداف سياسية او عسكرية من خلال تكتيكات و استراتيجيات تشمل انشطة تخريبية او عنيفة و احيانا ناعمة.

من جهة اخرى ولتعدد اوجه و طبقات الحرب الهجينة فقد عمل المحرك الرئيسي لحرب 15 ابريل الهجينة على تفعيل كل جوانبها السياسية و الاجتماعية و الاقتصادية و الاعلامية و الدبلوماسية متزامنة مع جانبها العسكري، و يبدو ذلك جليا في الاتي:
* العمل على استقطاب الكيانات و التجمعات و الاحزاب السياسية و الادارات الاهلية و قيادات و رموز المجتمع المدني.
* استقطاب او استمالة او تحييد الهيئات و المنظمات و الاتحادات و المنابر الاقليمية و الدولية، الحكومية و غير الحكومية.
* ظهور و تعدد منابر و منصات التفاوض.

* الاستخدام المكثف و الموجه للاعلام الرسمي و شبه الرسمي و منصات التواصل الاجتماعي لاحداث اكبر تأثير مجتمعي و عسكري و سياسي.
* توالي الادانات الدولية و الاقليمية و اتباعها باجراءات اقتصادية تشمل عقوبات اقتصادية تركز على خنق الاقتصاد و تجفيف منابع و قنوات حركة الاموال.
يقول راسل جلين عن «التهديد الهجين» :
«إنه خصم يستخدم في نفس الوقت وبشكل يمكن أن يتكيف معه مزيجًا من:_
(1) الوسائل السياسية والعسكرية والاقتصادية والاجتماعية والمعلوماتية.
(2) الوسائل التقليدية، وغير النظامية، والكارثية، والإرهاب وأساليب الحرب التخريبية/الإجرامية».

ان ما شهدته البلاد من جملة من الافعال الاجرامية و الارهابية و التخريب و التدمير لا يخرج من توطيد معاني الحرب الهجينة و تحقيق اهدافها حيث شمل ذلك:
* ضرب خطوط المياه و محطاتها.
* ضرب خطوط نقل الوقود و البترول.
* تخريب منشآت البترول و مستودعات الوقود و مصافيها.
* ضرب محطات المياه.
* القصف العشوائي لتهجير الاهالي و المواطنين بمختلف المدن و القرى و استهداف الاحياء و التجمعات السكنية المدنية.
* تخريب سجلات الاراضي و كل السجلات المدنية و لكافة الانشطة.

* هدم و تدمير بنية الدولة التحتية طرق و جسور و مقرات حكومية و خاصة و جامعات و مدارس مستشفيات و دار الوثائق و مراكز البحث و البنوك و المتاحف و سجلات مدنية و نظامية و خلافه.

تقول إليزابيث براو من معهد “أميركان إنتربرايز” و هي تصف الحرب الهجينة التي تمارسها روسيا تجاه اوكرانيا بانها:
“استخدام الأعمال العدائية خارج نطاق النزاع المسلح لإضعاف دولة أو كيان أو تحالف منافس”، و هي عين ما يحدث في السودان الآن.

ان ابرز ما لفت نظري في تعريفات و مفاهيم الحرب الهجينة انها ( إستراتيجية عسكرية تجمع بين الحرب التقليدية والحرب غير النظامية والحرب السيبرانية) و الحرب السيبرانية متعارف انها استخدام الفضاء الالكتروني و شبكات الانترنت في احداث اختراقات مؤثرة على الرأي العام لتوجيهه او تضليله او قيادته نحو اهداف محددة مسبقة و تشمل كذلك الوصول لمعلومات الغير للاستفادة منها او تدميرها او تغييرها بما يخدم غرض الخصومة و الصراع او التنافس، ان ما فعله راعي حرب 15 ابريل في السودان هو تأكيده كذلك على انها حرباً هجينةً حيث ثبت لدى كل مراقب الرعاية التقنية و المالية و الدعم و السند اللامحدود لآلاف المنصات و المواقع الالكترونية و وسائط التواصل الاعلامي، هذا فضلا عن عدد مقدر من القنوات الفضائية التى تدير معركتها الاعلامية بشكل معتبر و مقدر تحاول الوصول لاهداف الحرب التي رسمها المخطط الاكبر من تجاه جهدها و كسبها.

كذلك و من مظاهر الحرب الهجين في اوضح صورها في السودان هذا الاهتمام الاقليمي و الدولي بدول الجوار اما لتحييدها او لجرها لصالح كفة او لاشراكها في تفصيلة تدعم و تسند معركة الخرطوم حيث يتم دعم هذه الدول اقتصاديا بالمال المباشر و المنح المالية او من خلال مشروعات بنى تحتية و اقتصادية عملاقة مما يجعل الرشى الاقتصادية حاضرة في مظاهر الحرب الهجينة تمهيدا لاشراك دول الجوار فى اداء ادوار مهمة تعمل على انهاك سلطة الخرطوم و تركيعها. و يجب ان نعلم ان احد و اهم اهداف الحروب الهجينة هو (استهداف تقويض الانظمة السياسية القائمة لفرض نظام سياسي جديد).

مما سبق يتضح ان الحرب الهجينة تجاوزت استخدام و التركيز على الوسائل و الادوات و الاساليب العسكرية الى استخدام وسائل و ادوات و اساليب غير عسكرية تتسع و تختلف و تتزايد يوما بعد يوم و تبدو غير مألوفة في الحروب و تعمل على هزيمة الخصم و كسر شوكته لفرض ارادة سياسية و عسكرية تشكل واقعا جديد، و يبدو ان هذا ما يهدف اليه الراعي و المحرك الرسمي لحرب 15 ابريل عبر ذراعه العسكري قوات التمرد و ذيوله من التنظيمات السياسية و واجهاته المختلفة من منصات الاعلام بما تقوم به من كافة الاعمال و الاقوال التى خربت حياتنا و اوردتنا بلادنا الى هذا الدرك السحيق .

ان الحلول المطلوبة من القيادة السياسية و العسكرية للدولة يجب ان تكون حلولا غير مألوفة تشمل القيام باجراءات و تدابير ساندة و مضادة (عسكرية و غير عسكرية) غير تقليدية كما يجب ان تشمل كل قوى الدولة (العسكرية، الاقتصادية، الاجتماعية، السياسية، الاعلامية، الدبلوماسية و العلمية و التقنية)، ان الطريق الي الانتصار و ردع الظلم و العدوان و حسم التمرد و فرض السلام و الامن و الاستقرار يتطلب ردود فعل واعية و مرنة و متكيفة و سريعة، و الا فهو التخبط و التوهان .

عقيد بحري ركن (م)
د.اسامة محمد عبدالرحيم