خرطوم رشيقة ام حجم عائلي؟

انحسار العمليات الحربية عن العاصمة ووسط البلاد جعل خطوات إصلاح ما دمرته الحرب تتسارع… من جانب المواطن ومن جانب الدولة.. أهالي ولايات الجزيرة وسنار والنيل الأبيض واجزاء من ولايتي الخرطوم والنيل الأزرق… لم ينتظروا الحكومة ولم يربطوا أنفسهم بإصلاح العاصمة بل شرعوا في إصلاح ما يمكنهم من العيش بالحد الأدنى من المتطلبات… لابل حتى بعض الذين كانوا يسكنون العاصمة رجعوا الي جذورهم في الريف ورمموا قديم مبانيهم الخاصة.. أو تلك التي كانت تخص الأسرة الكبيرة وقطنوا فيها… رسيما تعود الحياة بكاملها للعاصمة.. اخونا فلان الفلاني عندما داعبه اصدقاؤه بأنه مرحب كضيف في القرية… قال علي الطلاق بالتلاتة بيت ابوي دا انا البنيتو من حر مالي والوقت داك اخواني الكانوا (محتلنه) الان كان اكبرهم في الجامعة… وانا البصرف عليهم… ياجماعة انا سيد حق كيف تقولوا لي ضيف؟ اها تاني ماني مارق من هنا خلي الراجل اليجي يمرقني… وعندما قيل له ان البيت أصبح ورثة… قال احسبوا لي البنيان والصرفتوا عليهم كلهم.. بسعر اليوم وادوني حقي أرض..
الشاهد في الأمر أن عمليات إصلاح ما دمرته الحرب بداها المواطن… وقطع فيها شوطا وهذا امر طبيعي فالمجتمع في السودان متقدم على الدولة بمراحل…
هذا فيما يتعلق بالاصلاح والذي هو اشبه بالاسعافات الأولية… اما إعادة الأعمار أو إعادة البناء فهذا واجب الدولة التي تقودها الحكومة… والشاهد ان رئيس مجلس السيادة قد كون لجنة برئاسة الفريق إبراهيم جابر… ورئيس مجلس الوزراء هو الاخر قد شكل لجنة قيل انها من الأكاديميين والخبراء… والي الخرطوم فعل نفس الشي… وهناك جهات أهلية وحكومية كثيرة كونت أجسام بمسميات مختلفة… كلها الهدف منها إصلاح ما دمرته الحرب… وفي تقديري أن تعدد الأجسام لا بأس به اذا صوب الجميع جهودهم نحو الهدف المنشود… ولكن يبقى السؤال هل تم تحديد الهدف بدقة حتى لا يخطئه احد وان اختلفت زوايا التصويب؟…
عملية إصلاح ما دمرته الحرب امر طبيعي وحتمي… لان الناس قد عادت لموطنها ولم تصبح لاجئة في بلاد أخرى… كما كان يتوقع البعض… أم تقول كما كان يتمنى البعض؟.. وفي عمليات الاصلاح الناس دوما ترضى بالحد الأدنى حتى ولو كان بنسبة واحد في المائة… فما لايدرك كله لا يترك جله كما تقول القاعدة الأصولية
ولكن يبرز سؤال فيما بعد الإصلاح هل يهدف الناس الي إرجاع الحال الي ما كانت عليه ام يريودن شيئا جديدا؟…وتستمد المطالبة بالتجديد مشروعيتها… باعتبار ان ما كان قبل الحرب لم يكن هو الوضع المناسب… بل كان عبارة عن تراكمات أخطاء عجز الناس عن اصلاحها…
بعيدا عن التجريد دعونا ناخذ العاصمة مثالا نوضح به ما ذهبنا اليه… ثم نذهب بعد ذلك نذهب بعد ذلك لبقية القطر… حتى في العاصمة ناخد الخرطوم تحديدا منطقة ما بين النيلين.. ونترك بحري وأم درمان جانبا … فهل تريد الناس إصلاح مباني الوزارات التي على النيل الأزرق.. إصلاح القيادة العامة وعماراتها التي بناها عبدالرحيم حسين… وتريد عودة المنطقة الصناعية في مقابر اليهود… وموقف شروني والسوق المركزي والمحلي وصافولا والكوينكا ومعارض السيارات… والسوقين العربي الافرنجي.. كل هذة المرافق وغيرها هل يريد الناس ارجاعها سيرتها السابقة؟.. ام هناك فكرا وتخطيطا جديد؟ حتى الجامعات الكبيرة الثلاثة الخرطوم والسودان والنيلين وبقية الجامعات الصغيرة المنتشرة الي ان تصل جامعة أفريقيا هل ترجع الي مكانها وكان شيئا لم يكن؟.(عزيزي القاري قرب اضانك جاى ما يسمعونا.. الجامعات الحكومية الكبيرة دي عندها امتدادات واراضي في أطراف العاصمة كبيرة جدا فلو باعت هنا يمكنها تنشى مباني بمواصفات عالمية هناك.. وانا مابفسر وانت ما تقصر). نفس السؤال ينطبق على المستشفيات بدأ بمستشفى الخرطوم القديم مرورا بابراهيم مالك والشرطة وساهرون الي نصل سوبا ثم المستشفيات الخاصة المنتشرة.. اها بعد أن نرجع كل هذة الأشياء نخلف رجل على رجل ونغني (يا جمال النيل والخرطوم بالليل)…
يمكن تلخيص ما تقدم في صورة أخرى.. لو فرضنا ان سكان منطقة ما بين النيلين المشار إليها التي تبدأ من المقرن وتنتهي في حدود ولاية الجزيرة الشمالية.. منطقة بتري… عدد سكانها أربعة ملايين هل نريد ارجاع نفس العدد ام نريد تقليصه الي مليونين ام نريد زيادته الي ستة؟… ولماذا في كل الأحوال؟.. الإجابة على هذا السؤال هي التي تحدد اذا كنا نريد إعادة الوضع الي ماكان عليه ام نريد وضعا جديدا… وهذا السؤال المحوري التي سوف تبني عليه بقية الخطوات لا إجابة له إلا عند الدولة… فعلى الحكومة ان تخضع هذا الأمر للنقاش الان وتتخذ فيه القرار.. حتى يقوم العمل على بينة.. ان شاء الله للحديث بقية
عبد اللطيف البوني
/حاطب ليل/٢٧اغطس٢٠٢٥






