شوارع القاهرة واسرارها
زرت القاهرة مرات عدة خلال العقود الماضية، وكان ضربا من ضروب الخيال والمستخيل ان اجلس خلف مقود السائل، بل اعتبر ان الجلوس بجانبه شروع في الانتحار خاصة مع سائقي المواصلات العامة بانواعها…
بعد زيارة قصيرة إلى القاهرة الاسبوع الماضي، تمالكت شجاعتي، ورباطة جاشي، وقررت خوض التجربة، واخيرا حظيتُ بشرف الجلوس خلف عجلة
القيادة للمرة الأولى هناك. وكانت تجربة مليئة بالدروس المستفادة، ارغب في مشاركاتها مع متابعيي الكرام في قالب فكاهي ولكنه جاد كذلك، للاستفادة لمن يرغب في خوض التجربة، و أذكر منها ما يلي:
التمهّل قبل القيادة: لا تبدأ القيادة من اليوم الأول. اجلس راكباً أولاً، وراقب ثقافة الشارع، وطريقة تواصل السائقين مع بعضهم، والإيقاع الذي يسود بينهم…
نسيان القوانين المألوفة: انسَ كل ما تعلمته من قواعد السير في بلدان أخرى، وخصوصاً إن كنت تقود عادةً في دول الخليج او العالم الاول، اما اذاكنت من مستخدمي الطريق في السودان، فلدي بشرى لك فتاقلمك سيكون اسرع واسهل، مع القليل من التعديل عموما انت بحاجة إلى فقدان مؤقت للذاكرة المرورية.
التمارين الأولى: حاول أن تبدأ القيادة في أماكن أقل ازدحاماً في ايجيبت، ثم انتقل تدريجياً إلى شوارع مصر. وابدأ بمشاوير قصيرة في أوقات هادئة لتجريب ما تعلمته.
الإشارات والنيات: استعمال إشارة الانعطاف يعد من الكماليات عند معظم السائقين. لا تتوقع من الآخرين أن يُفصحوا لك عن نواياهم، فكن دائماً متأهباً.
الاهتمام بالمقدمة لا المؤخرة: السائق هناك يهتم فقط بما أمامه، أما ما خلفه فقلّما يعيره بالاً. قد ينعطف أو يتوقف فجأة، وعلى عاتقك إيجاد طريقة لتفاديه.
المكروباصات والحافلات: سائقو المكروباصات خطرون؛ تجنّبهم قدر المستطاع. أما الحافلات فلها حق التوقف متى وأينما شاءت، سواء للتحميل أو التنزيل، حتى في وسط الطريق.
اليقظة المستمرة: لا تُغفل المرايا أبداً، فالمفاجآت في كل اتجاه. ولا تَجزع إن اقتربت منك سيارة بشكل مزعج، المهم ألا تحتك بك، فالمسافة الشخصية هناك شبه معدومة.
القيادة العكسية: لا تستغرب إن رأيت سيارة تعاكس السير. افسح لها الطريق بلا تضجر، فهذا أمر معتاد. اما الرجوع خلف على طول الطريق، يعتبر قانوني ولا غضاضة فيه.
عدم الشخصنة: لا تأخذ تصرفات السائقين الآخرين بشكل شخصي، ولا يتوقع منك أحد أن تأخذ الأمور على محمل الجد كذلك. السلوك السوداني في تفحص وجه السائق وكانك تبعث عن اذني الحمار نابتة على راسه لن تجدي، فالسائقون هنا اعصابهم باردة، ولن يلتفت لك او يلاحظ تفحصك من الاساس.
لغة البوري: للبوق (الكلاكس) لغة خاصة لا تحتاج إلى فهمها، بل إلى استخدامها باستمرار. يكفي أن تضع يدك عليه طالما السيارة تعمل.
القيادة الليلية: بعض السائقين لديهم خرافة لا اعلم مصدرها بحبديث يظنون أن الإضاءة تُقصر عمر البطارية، لذا قد تفاجأ بسيارة مظلمة تظهر أمامك فجأة. كن يقظاً.
النقود الصغيرة (الفكة): من المعتاد أن يظهر لك “سايس” في أي مكان هذه ميزة لن يعلمها سوى سائقي دبي، بحيث ان التوقف سيطلب منك ما بين 10 و20 جنيهاً، والزمن مفتوح.
انسدادات المواقف: إذا وجدت سيارة تغلق عليك الطريق للخروج، لا تنفعل او تجزع. غالباً ما يكون السائق قد تركها دون فرامل يد، لتتمكن من تحريكها باستخدام القوة البدنية، والشعب هناك خدوم ماعليك سوى طلب المساعدة، وستجد الفزعة من كل مكان. وإن لم تستطع، اصبر قليلاً فسيعود.
قوة الفرامل: في مصر الفرامل قوية ومفاجئة أكثر من أي مكان آخر، فاستعد لذلك دائماً.
الطرق الدائرية: القيادة فيها تشبه ركوب الموج. عليك أن تساير سرعة الآخرين واتجاهاتهم، ولا تكترث لخطوط الطريق المرسومة؛ التعامل معها وكأنها غير موجودة أحياناً يقيك من الحوادث.
الصينية: في ايامي الاولى، كنت اقف قبل دخول الصينية منتظر الفرصة، واذا بي افاجا باصوات البوري من خلفي، وبعدها علمت ان الاولوية معكوسة، فالاولوية للقادمين من خارج الصينية.
الاولوية عموما: لمن يتمكن من ادخال “بوز” العربية.. ، ببساطة، وارى ذلك منطقيا اكثر، فانتظار خلوا الشارع سيستغرق منك ما تبقى لك من ايام في الدنيا..
الموتوسيكلا: هذا اخطر عامل من عوامل الطريق، ياتي من حيث لا تحتسب، من عن يمينك، وعن شمالكم، وخلفكم، وامامكم، تجده بين ايديكم، وانتم لاتعلمون.
المهم بعد مضي اسبوع من المغامرات، اندمجت مع الفوضى، ومارست جميع انواع ماسبق من معجزات، واتعلمت “هاو تو بليند”… بل استمتعت بها، وتمكنت كذلك من استقبال مكالمات، والتعامل بصورة تلقائية مع كل محاذير الطريق.
القيادة الدفاعية:
كل من يتمكن من ممارسة القيادة في شوارع القاهرة بالتاكيد، سيتمكن من ان يمسك بكل فنون القيادة الدفاعية، وهي من اصعب الفنون على الطريق، وليس من السهل اجادتها، وهي فطرة قبل التعلم، والسائق المصري، سيكون ذو باع طويل في هذا المجال والاول عالميا.
الخلاصة:
الفراعنة لهم طريقتهم الخاصة في فهم بعضهم البعض. كلهم عبارة عن قطع متجانسة من نفس النظام، لا تختلط ولا تتقاطع ،موجات، وسمفونية وفوضى خلاقة لها لغتها، ونبضها، وروح الشارع، بالنسبة للغرباء هي فوضى لاتفهم، اما اهل البلد من السائقين والراجلين، هي نظام معقد، يكفيك ان ترى كيف يتم عبور المشاه في شارع مزدحم، ستعلم ان هنالك نظام معقد، وشفرة متطورة، مرتبطة بثقافة هذا الشعب العظيم..
واضيف كذلك، بدون اطالة ان هذا الشعب “حريف سواقة” وكان كل طفل يولد وهو ممسك بعجلة قيادة، يعلم كيف واين يديرها ويتفادى الصعاب، وانعكست كذلك على سلوكهم اليومي هي ثقافة لابد ان تحترمها كي تتعايش وتستمر.
ان لم تفهم النظام ستكون جزء من حادث لاقدر الله،
تخريمة اخيرة واشادة:
، احب ان اوضح احترامي وتقديري لكل الاشقاء المصريين، وكذلك اشيد بالتطور في البنية التحتية في السنين الاخيرة فقد زرت القاهرة مرارا في العقود الماضية، ولاحظت ذلك التطور في الطرق وقلة الزحام الذي شهدناه في السابق…
اخيرا…
، الغرض من المنشور هو الدعابة، وليس التقليل من اهل البلد او اخلاقهم، ولكن اندهاشي لهذه الثقافة النادرة على الطرق، وكان المنشور كذلك كنوع من التوعية لشعبي الكريم ان ارادوا خوض هذه التجربة ان يضعوا كل ما ذكر في اللاعتبار قبل الولوج في هذا العالم الصعب، وكي لايفسدوا عليكم هذه الفوضى الخلاقة. التي يتفق معي حتى اهل البلد.
رسالة الى كل سوداني في مصر….ياغريب، كون اديب، واتبع قوانين البلاد…
مع ودي واحترامي لمصر وشعب مصر.
الناس الجربت السواقة في القاهرة، زودونا بخبراتكم ، ماذا تعلمتم؟
#ابوكنان_بيلو
#زول_سااااي
Mohammed Belo
