إبراهيم شقلاوي يكتب: الإسلاميون .. حكم الخارج أم حكم الصندوق؟

في المنعطفات الكبرى من تاريخ الدول، تتقدم الأسئلة الأخلاقية على الحسابات التكتيكية، ويصبح سؤال الوطن هو المعيار الذي تُقاس به صدقية أي مشروع سياسي. في الحالة السودانية ، يعود الجدل حول استبعاد الإسلاميين بوصفه اختبارًا استثنائيًا : يكشف حدود احترام الإرادة الشعبية، ويقيس قدرة الفاعلين، داخليًا وخارجيًا، على دعم مسار التحول السياسي. فالسودانيون ، ليسوا موضوعًا لإعادة الهندسة السياسية من الخارج، بل شعب يمتلك حقه الكامل في تقرير من يحكمه وكيف يحكمه وبأي برنامج وله تاريخ راسخ في ذلك رغم التحديات.

منذ سقوط نظام الرئيس السابق عمر البشير في 2019، تشكّلت داخل المشهد السوداني سرديتان متقابلتان. الأولى ترى أن ما جرى كان لحظة تحرر أعادت فتح أفق الدولة المدنية، والثانية — الحاضرة بقوة داخل التيار الإسلامي — ترى أن مسار ما بعد السقوط صُمم تدريجيًا لتقليص وجودهم في الحياة السياسية عبر أدوات قانونية وسياسية مصنوعة.

وبين الروايتين، تظل الحقيقة أكثر تعقيدًا بالنظر الي التحولات الإقليمية والدولية. غير أن التطور اللافت في الآونة الأخيرة يتمثل في بروز خطاب خارجي أكثر صراحة وتدخل في الشأن الداخلي، يدفع باتجاه استبعاد الإسلاميين من أي معادلة سياسية.

وهنا يبرز بوضوح موقف دولة الإمارات العربية، الذي يظهر خلال مواقفها المعلنة والذي عبّر عنه بالأمس مندوبها لدى الأمم المتحدة محمد أبو شهاب في مجلس الأمن، حين دعا إلى عملية سياسية تفضي إلى حكومة مدنية مستقلة عن الجماعات المتطرفة، بما في ذلك الإخوان المسلمون.

من الناحية الشكلية، جاء الخطاب ضمن سياق إدانة الانتهاكات والدعوة لوقف الحرب، وهي أهداف تحظى بإجماع واسع. لكن من الناحية السياسية، أثار هذا الطرح تساؤلات داخل الأوساط السودانية حول حدود الدور الخارجي ومشروعيته. بالنظر إلى أن الإسلاميين في السودان لا يوصفون بالتطرف ولم يثبت ذلك في ممارستهم السياسية خلال تجربتهم.

المهم في هذا السياق أن هذا الموقف لا يمثل بالضرورة، إجماع مجلس الأمن كهيئة دولية، بل يعكس رؤية دولة بعينها داخل الترتيبات الإقليمية والدولية المعنية بالملف السوداني. وهذا التفريق ليس تفصيلاً إجرائياً، بل مسألة جوهرية في قراءة التوازنات. فحين يُقدَّم موقف دولة منفردة في ثوب توافق دولي، تتشوش صورة المشهد، ويتعزز الشعور الداخلي بأن هناك محاولة لتوجيه المسار السياسي السوداني من خارج إرادته الوطنية.

وليس بعيدًا عن هذا المناخ المتوتر، اتخذ السودان خطوة لافتة حين أعلن مجلس الأمن والدفاع في مايو 2025 تصنيف دولة الإمارات دولة عدوان وقطع العلاقات الدبلوماسية معها، في مؤشر سياسي يعكس عمق الأزمة وتباين الرؤى حول مسار الحرب وحدود التدخل الخارجي.

تكشف هذه الخطوة أن فجوة الثقة بين الطرفين لم تعد مجرد خلاف دبلوماسي ، بل غدت عاملًا مؤثرًا في حسابات المرحلة الانتقالية. وهو ما دفع السودان إلى رفض جهود الرباعية التي تضم الإمارات، باعتبار أنها تسعى إلى إقرار هدنة إنسانية تقود إلى وقف الحرب إنقاذًا لمليشيا الدعم السريع التي تدعمها بوضوح — وفق ما أشارت إليه تقارير دولية ووكالات أنباء مثل رويترز — فضلًا عن مساعيها لفرض رؤيتها في تشكيل المشهد السوداني.

في الداخل، تداخل هذا البعد الخارجي مع تراكمات ما بعد 2019، حيث أسهمت تجربة لجنة إزالة التمكين، رغم أهدافها المعلنة، في تعميق إحساس قطاعات من الإسلاميين بأن العدالة الانتقالية انزلقت كليا نحو منطق الغلبة السياسية. ومع الجدل الذي أحاط بدستور نقابة المحامين ثم الاتفاق الإطاري، ترسخ لدى هذه القطاعات انطباع بأن هندسة المرحلة الانتقالية لم تكن جامعة بما يكفي، حتى وإن كانت تلك المبادرات قد انطلقت — في نظر داعميها — من محاولة إعادة تأسيس الدولة بعد انهيار مركزها.

ويضيف حديث للدكتور أمين حسن عمر القيادي بالحركة الإسلامية وأحد مفكريها ، بعدًا اخلاقيا وسياسيًا لهذا الموقف، إذ صاغ تصور الحركة الإسلامية لذاتها في تصريح سابق لبرنامج بودكاست قائلاً: “الإسلاميون لن يطرقوا الباب حتى يأذن لهم كريم بدخول أو يصدهم لئيم عنه.. الإسلاميون أصحاب الدار وهم من أهلها وكانوا أكثرهم صدقًا وتضحية.. من حيانا نرد له التحية بأفضل منها ومن تحدانا فهو يعرف الميدان.”

هذا التصريح لا يمثل فقط موقفًا دفاعيًا ،بل يعكس إدراكًا عميقًا للجذور الاجتماعية والتاريخية للحركة الإسلامية، ورؤيتها لمكانتها كعنصر أصيل في نسيج الدولة والمجتمع السوداني. إن الخلفية التاريخية للحركة الإسلامية في السودان، منذ نشأتها في أربعينيات القرن الماضي، مرورًا بدورها في إنقلاب 1989، ثم تحولات ما بعد 2019، تؤكد أنها مكوّن سياسي واجتماعي لا يمكن تجاهله في المعادلة، لكن هذا لا يعني منحه حصانة دائمة. لذلك المعيار الوحيد العادل والأمن للبلاد و الإقليم ، في دولة تطمح للانتقال والإستقرار الذي لا عودة بعده للنزاع هو صندوق الاقتراع.

كذلك يأتي تصريح سناء حمد القيادية بالحركة الإسلامية للجزيرة مباشر الاسبوع الماضي لتضيف بعدًا واقعيًا للفكرةٍ ، إذ ترجّح بقاء الجيش جزءًا من معادلة الحكم في المدى المنظور بفعل معطيات الحرب وتوازن القوة.

هذا التقدير يعكس فهمًا جيدآ لطبيعة الدول الخارجة من النزاعات، والذي صرح به أيضا رئيس شوري المؤتمر الوطني للمحقق الإخبارية الدكتور عثمان كبر لكنه يكتسب وزنه الحقيقي من موقف الحركة الرافض لتشكيل مجلس تشريعي دون انتخابات، وهو موقف يعيد تثبيت القاعدة الذهبية التي ظلت تدفع عنها الحركة الإسلامية – وإن اختلف معها البعض – مفادها : الشرعية لا تُمنح بقرارات فوقية، بل تُستمد من التفويض الشعبي.

أما حرب 15 أبريل 2023 فقد أعادت ترتيب المشهد بصورة دراماتيكية، وأعادت إلى الواجهة خطاب “استعادة الدولة”. وفي خضم هذه التطورات، تصاعدت اتهامات متبادلة بشأن أدوار إقليمية في دعم أطراف الصراع، وتناولت تقارير دولية وتغطيات صحفية غربية هذه المزاعم بدرجات متفاوتة من التأكيد والتحفظ. غير أن الثابت سياسيًا هو أن أي انخراط خارجي — أياً كان مصدره — يظل عامل تعقيد إضافي في أزمة سودانية تحتاج، في جوهرها، إلى مسار وطني جامع لا إلى صراعات بالوكالة.

ما يمكن قوله بدرجة أعلى من اليقين هو أن الحرب أعادت ترتيب المشهد مرة أخرى، ودفعت بقطاعات واسعة من الرأي العام إلى إعادة تقييم أولويات المرحلة، حيث تقدمت سردية “استعادة الدولة” على كثير من شعارات ما بعد 2019. وفي هذه اللحظة تحديدًا يعود الجدل القديم في صورة جديدة : من يملك حق تحديد من يشارك في السياسة السودانية؟

المنطلق الأخلاقي والسياسي الأكثر تماسكًا يظل واضحًا: لا إقصاء دائم لأي تيار ما دام يحتكم إلى العمل السلمي والقانوني، ولا حصانة سياسية لأي فاعل خارج ميزان التفويض الشعبي. فالاستقرار الحقيقي لا يُبنى على استبعاد لطرف، كما لا يُبنى على عودة غير مشروطة لطرف آخر، بل على معادلة دقيقة قوامها المنافسة الحرة تحت سقف القانون و الدستور.

السودان اليوم يقف أمام فرصة صعبة لكنها ممكنة: تحويل ذاكرة الصراع إلى قاعدة تعاقد اجتماعي سياسي جديد. فإذا أُديرت المرحلة المقبلة بروح الغلبة، ستتجدد الدائرة ذاتها بأسماء مختلفة. أما إذا أُديرت بعقل الدولة وروح الصندوق الانتخابي، فقد يخرج البلد من نفق الاستقطاب المخزي.

لذلك يظل القول الفصل إن السودان يقف اليوم أمام معادلة دقيقة: فالإقصاء الشامل لأي تيار سياسي يحمل مخاطر تفجير الفاعل المعارض، كما أن فرض خرائط سياسية من الخارج، تحت أي عنوان، يقوّض أساس الشرعية الوطنية ويخضع البلاد لاستعمار جديد بصورة ناعمة . فالطريق الأقل كلفة والأكثر استدامة يظل واضحًا: منافسة سياسية مفتوحة تحت سقف القانون، واحتكام صارم إلى صناديق اقتراع حرة ونزيهة.

السودان، بتاريخ دولته العريق وحيوية مجتمعه، لا يحتاج إلى من يختار له ملامح مستقبله، بل إلى من يحترم حق شعبه في أن يخط هذا المستقبل.

إن السؤال الحقيقي بحسب وجه الحقيقة لم يعد من ينتصر في معركة السرديات، بل من يملك الشجاعة للقبول بحكم الصندوق. فالدول لا تُبنى بالغلبة ، ولا تستقر بوصفات مستوردة، بل بتعاقد وطني يثق فيه الناس. والسودان، المثخن بالجراح العريق في حسّه السياسي، لا يحتاج إلى من يختار له ممثليه، بل إلى من يفتح الطريق أمام شعبه ليقول كلمته كاملة غير منقوصة. هنا فقط تنتهي جدلية الإقصاء، وتبدأ دولة الإرادة الشعبية.

إبراهيم شقلاوي
دمتم بخير وعافية.
السبت 21 فبراير 2026 م Shglawi55@gmail.com

Exit mobile version