برنامج “السودان الليلة” الذي عرضه التلفزيون القومي في مساء الأربعاء، وهو آخر يوم بقي لإنبثاق فجر العام الجديد 2026م استضاف البروف محمد حسين أبو صالح، الخبير الاستراتيجي، فطرح من خلاله رؤية علمية متقدمة وضرورية، خاطبت قضايا الساعة، ومطلوبات مرحلة ما بعد التحرير، ومن تلقاء ذلكم مسائل الدستور، والحكم الراشد، والتنمية المتوازنة.
تحتاج حكومة رئيس الوزراء د. كامل إدريس لإنشاء ”وزارة الاستراتيجية”، ونقترح بكل ثقة أن يكون على رأسها البروف أبو صالح. فهي تمثل العقل المفكر للدولة، وتظل بمثابة بوصلة التوجيه على المستوى الوطني، إذ تتوفر على مجسات تحسس التقدم والتنمية، وقياسات مستويات التوازن والأولويات لسودان ما بعد معركة الكرامة.
هذا هو التحرك المطلوب اليوم ضرورة لمخاطبة قضايا الحكم، وشكل وطبيعة الدولة السودانية الوليدة بعد التحرير. وهذا هو الواجب الوطني المُلِح، بل الأشد إلحاحا، الذي يتعين أن تقدمه الحكومة الحالية في المرحلة الراهنة لشعب السودان، لإخراجه من قمقم الفشل الإداري البئيس للدولة، الذي ظلت حبيسة فيه خلال السبعين سنة الماضية ومنذ خروج المستعمر، فأوصل البلاد إلى كل المشاكل التي ظلت تعيق الانطلاق والطفرة الاقتصادية، وأورثتها كافة أنماط المعاناة والتشظي وتوسع الهوامش وتهميش المدن.
فهل ترقى حكومة د. كامل إدريس لأقدار التحدي الماثل أم سترتكس في ذات الوهاد والحضيض والحفر التي رسمت بمكر بالغ للسودان، فتردت فيها كل الحكومات السابقة، ومنذ غزو كتشنر للسودان، وتغيير دستور الدولة الوطنية الذي ارتضاه أهل السودان منذ أيام السلطنة الزرقاء عام 1502م، فتم الغاؤه باحتقار مهين من قبل الجنرال ريقنالد وينقيت، الحاكم الاستعماري البريطاني، دون شورى ولا استشارة ولا استفتاء، عام 1899م، إذ لم يكن هناك برلمان ولا مجلس منتخب ولا يحزنون.
بل فُرض على شعب السودان قانون استعماري، كتب بأقلام أجنبية، ونفذه الغزاة الأجانب، بعد هزيمة الحكم الوطني، واجهاض الثورة الشعبية في كرري عام 1899م، وتم من تلقائه فرض أجندة وافدة، مثلت خارطة طريق ورؤية الاستعمار والامبريالية العالمية، الخادمة لأولويات الغزو واستدامة قوى الهيمنة الوافدة، التي لم تفلح الحكومات الوطنية في تجاوز مقاصدها.
وعموما فإنشاء وزارة للإستراتيجية القومية سيمثل مدى الجدية التي تتعامل بها الحكومة، وتعتبر المقياس المعتبر والمعتمد كتوجه في أفضل الممارسات الدولية، التي تحدد نجاح أية حكومة أو فشلها.
وسيكون ذلك هو الفارق بينها وسابقات التجارب الإدارية الفاشلة المستدامة المكرورة، لحكومات ما بعد الانقلابات العسكرية، من لدن أكتوبر 1964م وأبريل 1985م وفوضى أبريل 2019م..
فهل يعي القائمون على الأمر اليوم ذلك المنعرج أم يؤثرون الاستلقاء في ذات المستنقع الآسن الآسر؟.
هذا بعض ما ينتظره شعب السودان في بيان رئيس الوزراء المنتظر لمخاطبة السودانيين في ذكرى استقلالهم السبعين.
وكل عام وانتم بخير.
دكتور حسن عيسى الطالب
