السودان ..طفلة اللمة المنسية أفي ديختر ثم إيلي كوهيين

لمعرفة ما يجري اليوم في هذا الإقليم لابد من رجعة تاريخية؛ ففي أواخر 1884 عقدت الدول الأوروبية مؤتمراً دولياً في برلين استمر إلى مطلع العام التالي، لتنظيم سباقها نحو أفريقيا من أجل التوسع الإمبريالي، فقد رأى بسمارك، وزير خارجية ألمانيا، نذر حرب بين الدول الأوروبية جراء ذلك السباق؛ وبالفعل تم تقسيم خارطة أفريقيا فيما بين الدول الأوروبية على الورق، ثم طبق على الأرض دون مراعاة للاوضاع الثقافية والقبلية والدينية وكل تلك الموروثات التي كانت تحكم المجتمعات الأفريقية قبل هذا المِشرط الأوروبي، فحكم الأوروبيون الشعوب الأفريقية بقوة الحديد والنار .. وقريب من هذا ما حدث في العالم العربي باتفاقية سايكس بيكو 1916…المهم قد تم نقل نموزج الدولة الوستفالية خارج أوروبا، وتلك قصة أخرى.

عد خروج المستعمر في حوالي منتصف القرن الماضي اندلعت الخلافات بين الدول الأفريقية، إذ شهدت عشرات الحروبات الحدودية ، والحال كذلك تولت منظمة الوحدة الافريقية الأمر ففي مؤتمرها الثاني الذي انعقد بالقاهرة في 1963 اقرت مبدأ ملزما لكل الدول الأفريقية؛ وهو الإبقاء على الحدود القطرية التي تركها المستعمر دون أي مساس بها، وذلك لإنهاء هذه الصراعات الحدودية، ثم ثانياُ إذا كانت المنظمة تسعى لتوحيد كل أفريقيا فلماذا التعصب للقطرية الضيقة، وتردد صدى عبارة كوامي نكروما في كل القارة (الولايات المتحدة الأفريقية هي المخرج … إلا فلا فائدة من عملية الاستقلال) يا حليلك يا نكروما ..

ذهب الجيل الأفريقي المؤسس مع ذهاب السيطرة الأوروبية، فتولت السيطرة الدولية أمريكا مع اقتسام مؤقت مع الاتحاد السوفيتي الذي ذهب فيما بعد مع الريح فانفردت أمريكا بقيادة العالم، واتخذت وكلاء إقليميين لعل أهمهم إسرائيل لسيطرتها على متخذ القرار في أمريكا، وبدافع من الحليفة اتخذ قرار استراتيجي خطير وهو إعادة رسم خارطة منطقة الشرق الأوسط والقرن الافريقي المتداخل معه، وذلك بإعمال مشرط التجزئة لصناعة أكبر عدد من الدويلات لضمان السيطرة عليها، في حتة مهمة هنا سيكون لها ما بعدها وهي أن سياسة التجزئة لاتقوم على قناعة أمريكية لذلك تولت إسرائيل أمرها، وقد فصَّل ذلك أفي ديختر وزير الأمن الإسرائيلي في محاضرة له عام 2008 و التي ذكر فيها السودان بتفصيل هدفهم فيه، بينما أجمل في شأن بقية الدول !

منطقة القرن الأفريقي لأسباب متعددة أهمها أنها منطقة هشاشة أمنية استجابت لمخط التجزئة هذا بامتياز فانفلقت أكبر ثلاث دول فيها، إثيوبيا كانت المبادرة فرجعت دولة إريتريا في عام 1991 ثم تلاها السودان فكانت دولة جنوب السودان 2011 أما الصومال وهي المنكوبة الأكبر استقلت عنها دولة أرض الصومال أو ما كان يسمى بالصومال البريطاني 1991 وجمدت بلاد بونت اندماجها في الدولة الأم فأصبحت معلقة.

تطاول عدم الاستقرار في السودان والتردي السياسي فيه أغرى بمواصلة التمزيق فيه فكانت حرب أبريل 2023 المستمرة إلى يوم الناس هذا ، حتى إثيوبيا التي تظن الآن أنها في منعة، إذا تشظى ما تبقى من السودان سوف تتشظى هي الأخرى … أما الصومال يكاد يكون أمره مقضي فالتشظي فيه يتواصل دون توقف .

المنطقة المتأخمة للقرن الافريقي شمالاً وجنوباً لم تسلم من سياسة التجزئة، من الناحية الشمالية للقرن الأفريقي ليبيا انفلقت، ومن جنوبه أصبحت اليمن آيلة للانقسام؛ ثلاثة تطورات هامة حدثت في المنطقة أفضت لحراك قوي وهي استعار حرب السودان ثم تولي السعودية لملفه مع أمريكا .. ثانياً الخلاف السعودي الإماراتي في اليمن.. ثالثا إعلان إسرائيل اعترافها باستقلال أرض الصومال… هذة التطورات نبهت المنطقة والعالم إلى أن مايجري من حروبات في المنطقة ماهو إلا تنفيذ لمخطط صادر من مشكاة واحدة … فهاهو إيلي كوهين يغرد وبكل بجاحة …لن نخرج من سرت ولا من الفاشر ولا من بربرة ولا من المهرة (ليبيا السودان الصومال اليمن )..وهنا قامت الدنيا وأظهرت الدول الكبرى في المنطقة ..السعودية مصر وتركيا حراكا سياسيا غير مسبوق …وزيارة رئيس مجلس السيادة والقائد العام للقوات المسلحة عبد الفتاح البرهان لهذه الدول الثلاث يدل على أن الوعي الإقليمي بحرب السودان قد تحور ، هذا إن لم نقل قد تغير ..

منذ اندلاع حرب السودان الحالية في أبريل 2023 حاول السودان الرسمي أن يوضح أن هذه الحرب هدفها ليس السودان وحده إنما كل الإقليم ، وأن السودان ليس إلا حلقة من سلسلة ممتدة، ولكن العالم أصر على اعتبارها صراعاً على السلطة وأنها حرب جنرالين وأنها حرب أيدولوجية و…و…و… وساعد في ذلك انقسام الجبهة الداخلية السودانية ثم التغطية الإعلامية الإقليمية المضللة.

السؤال الذي يطرح نفسه هل هذه الدول الكبرى في المنطقة… مصر والسعودية وتركيا وبما لديها من مؤسسات راسخة كأجهزة استخبارات ومؤسسات بحثية ومراكز دراسات استراتيجية، لم تكن مدركة أنها الجوائز الكبرى لمخطط التجزئية ؟…بعبارة أخرى أنها الهدف النهائي له ؟؟ في تقديري أنها في غاية الإدراك …وأنها تعمل على مناهضته بذات النسق الذي ينفذ به، ولكن التسرع من الجانب الآخر أي المنفذين والظن أن الريح تهب في أشرعتهم لابد من أن يغتنموها، هي التي أوجدت الحراك المضاد …فمثلا بلد مثل السودان قمتم بشقه في 2011 كان من الأوفق َََ انتظار عقدين ثلاثة حتى يندمل جرحه النازف ثم تعمل مشرطك فيه مرة أخرى ..

الآن وفي هذة اللحظة المتغير الأساسي بالنسبة لنا في السودان، هو أن السودان لم يعد وحيداً مثلما كان في بداية الحرب، ومن المؤكد أن هذا الاصطفاف الجديد سيكون له أثره العسكري والدبلوماسي والسياسي .

الباب الآن مفتوح على كل الاحتمالات ..احتمالات التصعيد واردة واحتمالات التهدئة واردة…فالقوى التي نراها فقدت بعض الكروت لن تستسلم وسوف تعمل جاهدة على تلافيها … الحلفاء عندما يختلفون سيكون خلافهم مميت لأنهم يعرفون نقاط ضعف بعضهم …وهذا موضوع يطول الإسهاب فيه فالنتركه جانبا الآن …يبقى السؤال الهام بالنسبة لنا هو ماذا سيفعل السودان مع هذة المتغيرات الجديدة …كيف سيستفيد من هذا الاصطفاف الجديد …داخليا واقليميا ودوليا …؟ نعم الانفراجة التي حدثت ليس للسودان يد تذكر فيها… إنما احدثتها التقاطعات الإقليمية… ممكن تقول جبارة …وبما أنها قد حدثت تبقى كيفية استغلالها …باختصار المطلوب التعاطي الإيجابي وليس الفرجة في انتظار المزيد .. الانفراجة من الآخرين

د. عبد اللطيف البوني

Exit mobile version