حوارات ولقاءات

حوار مثير للجدل مع أستاذ حسين خوجلي في مطلع ٢٠٢٦

في حوار مثير للجدل مع رئيس التحرير بين السياسة والثقافة والتاريخ والأفكار
حسين خوجلي يناصح الإسلاميين والأمة والإتحاديين
بعد أن أكملنا إعداد عدد ألوان الإلكتروني وعلى أكواب من الشاي بالنعناع في ليل القاهرة بشتاءه القارس أدرنا أُنساً دافئاً مع السيد رئيس التحرير وقبل أن يستفيض في الإمتاع والمؤانسة إستأذناه أن يصبح هذه الأنس حواراً في عدد الإستقلال، وبعد موافقته وهذا هو بيت القصيد كان هذه الحوار الذي نرجو أن يكون حواراً للمتعة والفائدة ودعوة للنقاش بين أصدقاء الحرف والكلمة في كل العواصم التي يُجملها السودانيون بحضورهم الرفيق والأنيق.
أعد الحوار وحرره: عمر عبدالعظيم موسى
مرت ذكرى كثير من الأحداث السودانية في 2025م والثورات، نود أن تحدثنا عنها بعبارات موجزة وجريئة بطريقة ما قل ودل؟
الفاتح من يناير؟
أصدق ما في هذا التاريخ انه حقق الإستقلال دون أن يٌقتل أحد وكان القتلى في الجوار القريب بالآلاف كأنما أرادت المشيئة أن تقول للتاريخ كفى بمئات الآلاف من الذين قٌتلوا في المهدية الأولى والثانية بالحق وبالباطل ولو كنت يومها راشداً وصاحب صوت وصحيفة لهتفت في وجه الأزهري نعم للإستقلال ولكن وحدة وادي النيل كانت هي الحق والواجب والحاضر والمستقبل ولكن للأسف فإن عقارب الساعة لا تتقهقر للوراء.
17 نوفمبر 58؟
كانت الأمانة أكبر من طموحات وأطماع السيدين والحزبين والطائفتين فأوفدوا يومها رئيس الوزراء الجنرال عبدالله خليل لتسليم السلطة على صحن من ذهب للجنرال عبود القائد العام للجيش السوداني لأنهم باختصار كانوا يريدون أن يناصفهم نصف الفشل إلى حين، لكنه ألقى على ظهورهم كل الفشل وركب صهوة السلطة، والذي يركب صهوة السلطة لا يترجل (بي أخوي وأخوك).
ثورة 21 اكتوبر؟
أكتوبر كانت أكبر مسرح مسرح سوداني أطلقت من على خشبته أجمل الأناشيد والأغنيات الوطنية، وأجمل تعريف لواحد وعشرين أكتوبر أنها واحد بلا عشرين.
25 مايو؟
نظام دبر له عبدالخالق محجوب فذهب قتيلاً وبابكر عوض الله فذهب طريداً وعارضه الإمام الهادي فذهب شهيداً وقاتله الشهيد حسين الهندي فصار زعيماً وسوق له محمود محمد طه فانتهى صريعاً وصالحه الصادق المهدي فقبض الريح وحالفه الترابي فصنع حركة ودولة.
19 يوليو؟
لو قرأ عبدالخالق وعمر مصطفى المكي ومحمد إبراهيم نقد ودكتور محمد سعيد القدال والدكتور عبدالله علي إبراهيم والمقدم بابكر النور لو قرأوا بتمعن القرآن والسنة الشريفة والتاريخ العربي الإسلامي برؤية ناقدة وأقصوا الرأسمالية والمادية الجدلية والبيان الشيوعي جانباً لاكتشفوا أن مستقبلهم كان في الحزب الإشتراكي الديموقراطي.
6 أبريل 1985؟
ولأن الجنرال عبدالرحمن سوار الذهب كان عسكرياً مهذباً ولم يكن جنرالاً مستبداً فقد جعل الفترة الإنتقالية عاماً واحد والذين يقرأون التاريخ بتروي وواقعية سيقولون ليته كان في تلك الحقبة مستبداً حميداً إنما العاجز من لا يستبد.
30 يونيو؟
كانت أكثر النسخ جرأة في تاريخ الثورات العربية والإسلامية. كانت مزيدة ومنقحة ولكن بعض المالكين الذين لا يستوعبوا قدرها أضاعوها وعندما بحث المبدئيون عن النسخة الأصلية وشهادة البحث وجدوا أنها قد ضاعت ونفذت من الأسواق.
19 ديسمبر؟
غضبة وظيفية جعلت الراعي السفاح زعيماً وجعلت موظف أممي وشيوعي مفصول لسوء الأداء وفوق ذلك عارياً من الموهبة والنضال رئيساً وجعلت من اللصوص ثواراً وصنعت من الخونة مناضلين وركب الضحايا (التونسية).
معركة كرري؟
هي تلك الواقعة التي هزم السودانيين فيها السودانيين بقيادة حفنة من الضباط الإنجليز والأسلحة المحرمة دولياً وبعض الذين تلفحوا بعباءة الدين الشكلانية ولكننا نعيش مع الأسف في بلاد ليس كل الذي يعرف فيها يقال.
الإمام المهدي؟
رفع رأسنا بتلك الثورة الباهظة التكاليف وغادرنا بعد الإنتصار بسته أشهر فقط فقطع علينا بهذا الرحيل المفاجئ مشروعية الإنتقاد والمراجعة.
لقد أورثنا الامام سِفراً من المعارك والحروبات والراتب وجبة مرقعة ومصحف مخطوط لكنهم أورثونا الأحاديث بالأطنان وأورثوا أنفسهم الدائرة والأطيان.
الخليفة عبدالله التعايشي؟
كان الجيش الغازي يظن بعد كل الحرب النفسية التي شنها والرسائل القاتلة التي أرسلها أن الرجل كان سيسلم أو يستسلم خاضعاً لكنه قاتل في كرري ببسالة وكالعادة لم يخذله الشعب مع أنه كان (باقي كتلة). قاتل الفارس الجريح بعد الهجرة عامين بكردفان والنيل الأبيض ورحل شهيداً في أم دبيكرات على يمينه الأمير علي ودحلو ومن يساره علي الجلة ومن خلفه سنداً الشهيد الصادق ود المهدي وبقية الأبطال الذين عشقوا الموت ولم يكن بينهم أسير وصاروا في يد الشعب مشاعل، كان كل السودان هنالك شمالاً وجنوباً شرقاً وغرباً ورغم الأخطاء الكبار والخطايا ورغم نصيحة الأمير عثمان دقنة فماذا عسانا أن نقول في حق رجل أطلق له ونجد باشا 21 طلقة تشريفاً كرئيس شرعي لبلاد حرة وبين يدي جثمانه الطاهر.
نصيحتك للأنصار وحزب الأمة؟
في هذا المنعطف التاريخي الهام أرى أنكم تحتاجون لزعيم ورئيس حزب بالمواصفات التالية:
أن تكون فيه شجاعة النجومي وفدائية عثمان دقنة وتمرد النور عنقرة وعدالة وقضاء حسين الزهرة وفقه شيخ الإسلام ود البدوي وصبر ووطنية الخليفة شريف وصوفية وتجرد وبركة الشهيد الشريف أحمد ود طه.
ومن المحدثين زعامة المحجوب وثقافة عبدالرحمن على طه ومبدئية الأمير نقدالله وعلو الهمة والتجرد والمصادمة في الشهيد الإمام الهادي والمثابرة في الألم والأمل للإمام الصادق المهدي. ولأن كل هذه الصفات النادرة ليست في جعبة أي واحد من المدعين بالساحة فإن الفراغ والإنتظار الخاسر خير ألف مرة من الصديق والواثق وبرمة ناصر.
نصيحة للإسلاميين؟
أنتم التيار الوطني الوحيد الذي يملك في كل عائلة سودانية صبي وصبية ومجاهد وشهيد ولكم في كل قبيلة عزوة وفي كل جامعة إتحاد وفي كل مجتمع مدني نقابة وحضور ولكم مثقفون وتكنوقراط يملأون الداخل والخارج بالعلم والتجربة، وهي مزايا جعلتكم الأقدر على تركيب الحياة القادمة.
ونشهد أن الشعب السوداني قد وهبكم فلذات أكباده وكرائم أمواله وأوقاته فعليكم واجباً أن تسددوا الدين كاملاً غير منقوص بالدفاع عن هذه البلاد وإعادتها خالصة للشعب وطرد شراذم الشتات إلى مزبلة التاريخ مهما تكاثرت الإبتلاءات وتعاظم التضحيات، ولن يتم هذا المقصد الشريف إلا بوحدة التيار الوطني الإسلامي وتوحيد هذا الشعب المبتلى الكريم وكيف يتسنى ويحق لكم أن تدعوا الناس وأنتم منقسمون في لاشئ وقد ذهبت المشيئة والمقادير لذهب المعز وسيفه فعلى أي إرث يا ترى تتخاصمون وتتنازعون؟
إن الحل الوحيد الذي لا ثاني له ولا بديل أن تتواضعوا لله وللشعب وللتجربة وتمارسوا النقد الذاتي وأن تنزعوا من على أكتافكم وطأة وثقل الوطني والشعبي وتعودوا إلى منصة التوحيد الأولى الحركة الإسلامية بكل براءتها ونقاءها وأن تكون البطاقة واحدة للوزير والخفير والأمير والفقير وأن تغسلوا على نبعها الطاهر أوضار الماضي وشح النفس ومطامع الدنيا، وأن ترفعوا الشعار الأسمى والأرفع
قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ۖ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (108) وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُّوحِي إِلَيْهِم مِّنْ أَهْلِ الْقُرَىٰ ۗ أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۗ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ اتَّقَوْا ۗ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (109) حَتَّىٰ إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَاءُ ۖ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (110) لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ ۗ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَىٰ وَلَٰكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ
ما هي نصيحتك للقوى الإتحادية؟
أذكر أنه في جلسة في بيت الأخ صديق الهندي بلندن وفي حضرة الشريف زين العابدين قبل عودته إلى السودان مصالحاً سألته عن الحزب الوطني الإتحادي فقال لي ضاحكاً بطريقته الساخرة: ماذا يرجو السودانيون من حزب (إسمه غلط) فنحن القوة الإتحادية المبادرة إلى خيانة الوحدة والإتحاد. وما زلت وما زال الشريف عليه الرحمة في قبره ننتظر تغيير إسم يواقع الواقع وبعدها سننظر في المنهج والبرنامج ولكن كل هذا لا يمنع أحداً من أين يذكر بالخير قيادات وطنية في قامة الأزهري وزروق وخضر حمد والشريف حسين الهندي، كانوا عمالقة في عهدهم فملأوا الساحة الساحة بالشعارات والقيم وكاريزما الفحول فعندما ذهبوا ذهبت الجبهة الإتحادية وتركتها نهباً لإبراهيم الميرغني وجعفر سفارات والمصحح ود الفكي.
الدكتور جون قرنق؟
حققت به قوى الإستعمار الجديد في أوروبا كل الذي تريده حيث امتص كل دماء أبناء السودان في الجنوب والشمال وفصلوا جنوب السودان منعاً لإمتداد التصالح العربي الإفريقي الكبير وخلق دولة مشوهة لا حظ لها لا في الحاضر والمستقبل وعندما نالوا وطرهم تماما إغتالوه في وحشة الجبل والمنافي وطويت الصفحة، ضمن كل صفحات السمارة المخدوعين الذين ظنوا أنهم ثوارا وكان جزاءهم الغدر والإعدام بحوادث تخابرية مدبرة تُكذب في صدق.
أمريكا في كلمات؟
مارينز + طائرة شبح + دولار + بلطجي يسمونه رئيساً. معادلة تساوي أمريكا دولة الإبتزاز الأممية التي يواليها الأحرار بالخوف النسبي فيدفعون ثمناً لذلك البلايين، ويحاربها الأحرار المبدئيون فينالون طيب الأحدوثة والشهادة بعدائهم الشريف في وجه الطاغية ويكتب الأذكياء الصامتون على صفحات الإستنارة.
ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى
عدواً له ما من صداقته بد.
الصين؟
دولة عظيمة في الصناعة بشتى أنواعها فهي في المقدمة في صناعة الملبوسات والسيارات والطائرات المدنية والعسكرية وشعب لا يحصى بكثرته عدداً ولكنها تظل أوكازيون كبير وبوتيك متعدد الأغراض لكل البضائع. إن الدول التي لا تملك مشروعاً حضارياً يسوق للآخرين فكراً وثقافة ستظل في دائرة تعريف حكماء العرب قديماً: كان فلان ثرياً لكنه كان خامل الذكر، فهل عرفتم الآن لماذا يُصانعها أمريكا ولا تخاف منها؟.
روسيا؟
لن تتوقف الحرب الروسية الأوكرانية أبدا لأنها حرب تديرها أمريكا جهراً ومن وراء ستار وتساندها أوروبا بالرجال والسلاح والمرتزقة فالقوة الحية من أوكرانيا قد خرجت منذ أيام الحرب الأولى، فالناتو هو الذي يحارب وقوى الأطلنطي وسيستمرون في إفقار روسيا حتى تركع و تنهار وسوف يسدون عليها أفق التمويل والتسليح ويحاصرونها بإشانة السمعة والقرارات الدولية حتى ترفع الراية البيضاء.
فيا تُرى من هذه هي الدولة الوحيدة التي تستطيع أن تجابه أوروبا بكل خبثها والناتو وأمريكا بكل جبروتها وشياطين إنسها وجنها؟ ولكن ورغم ذلك فإن المعجزات لن تنسحب بعدُ من هذا الزمان الكئيب وبالأمس القريب غارت 91 مسيرة مقاتلة كادوا أن يغتالوا بوتن وقد نجا الرجل بإعجوبة فإن نالوا منه في المرة القادمة فصدقوني فإن ألف يالسن سكير قد تم إعداده لدخول الكرملين والقاعة الحمراء .
العالم الإسلامي في ما مضى وقادم الأيام؟
إن تركيا وإيران وماليزيا وأندونيسيا وجمهوريات آسيا الوسطى والمؤتمر الإسلامي وجامعة الدول العربية والغساسنة والمناذرة والسنة والشيعة واليسار العربي والعلمانية العربية والأفغان العرب والعجم وهلم جرا كل هذه الفنتازيا والفسيفساء الأممية إن لم تتحد عسكرياً واقتصادياً وسياسياً بمنهج واحد وبرنامج واحد وعقيدة واحدة وزعيم واحد يمثله المصطفى صلى الله عليه وسلم فإن أبيات السفير العربي أبو ريشة ستظل تجلدهم ليل نهار
أمتي هل لك بين الأمم
منبر للسيف أو للقلم
أتلقاك وطرفي مطرق
خجلاً من أمسك المنصرم
ويكاد الدمع يهمي عابثا
ببقايا كبرياء الألم
ودعي القادة في أهوائها
تتفانى في خسيس المغنم
رب وامعتصماه انطلقت
ملء أفواه البنات اليتم
لامست أسماعهم لكنها
لم تلامس نخوة المعتصم
الفريق عبدالفتاح البرهان في كلمات؟
رئيس مجلس السيادة والقائد العام للقوات المسلحة سوف أظل أسانده بكل شرعيته المتفق عليها داخلياً وخارجياً مادام الشعب والجيش والمقاومة الشعبية يقاتلون تحت إمرته. ولن أقول رأيي في الرجل حتى يجلي آخر مرتزق وخائن وسفاح عن كردفان ودارفور وحتى تضع الحرب أوزارها وحتى يعلن أن السودان قد أصبح أرضاً طاهرة للأحرار والقيم والعدل والكفاية والوقوف إقتداراً تحت الشمس وقد أصبح وطناً جديرا بالفترة الإنتقالية التي تفضي بقيادات أفرزها شعب مبتلى صاحب إستنارة وبصيرة، وحين تنجلي الرغوة عن الصريح وتنماط الأقنعة الموشاة حينها فلتسألوني عن الرجل أما الآن فلا.. ولا صوت يعلو فوق صوت المعركة.
كلمات ما زالت تؤرقك من التاريخ المعاصر؟
كلمات القائد الفرنسي غورو حين إقتحم الشام في العشرينيات وهزم جيشها واستشهد وزير دفاعها الشهيد يوسف العظمة لم يذهب يومها هذا الصليبي الحاقد إلى القصر السليب ليشرب نخب انتصاره الآثم بل سار فوق أشلاء الشهداء سائلاً حراسه والموالين من الخونة والعملاء من أقليات الشام أين قبر صلاح الدين؟ وعندما وقف فوق ضريح البطل صلاح الدين الأيوبي محرر فلسطين والقدس وطارد الحملات الصليبة وكاسر نخوتها الحقادة ركز بندقيته فوق القبر وقال بلهجة تنفث حقداً: (الآن عُدنا يا صلاح الدين). إن الصهاينة والصليبيين والمجوس القدامى والجدد لا ينسون يا سادتي، ولكن العرب في زمان الإنحطاط ينسون أو يتناسون لأنهم لا يقرأون.
عودة الخرطوم؟
عادت الخرطوم واغتسلت متطهرة من رجس جراد الشتات وأعوانهم من الملاحدة والعلمانييين وأعداء الشعوب والإسلام والحرية، سجدت لله وقلت للذين حولي لم تعد الخرطوم وحدها بل عادت غرناطة وعادت القدس ويافا وعادت الضفة وعادت غزة والجنوب اللبناني وأبرق محمد الفاتح بصوته الندي المطمئن صارخا: الآن الآن سقطت الهزيمة إلى الأبد وعادت القسطنطينية.
من الذي يحكم دارفور الآن؟
إن عصابة دقلو التي جعلت رواتب العملاء أموال الأبرياء المنهوبة ومتعتهم واغتصاب العفيفات وقتل الأحرار قد أتموا تماماً نهب كل المدن في دارفور التي يدعون حمايتها وقد أخلوها الآن تماما وتركوها تحت حماية الشياطين. دارفور الآن مساحة مطلقة للخراب وقد جاءوا لكردفان لإكمال القتل والسلب والنهب والإغتصاب فهنيئاً ببقايا المسيرية للمساندة الحرام وأعراب كردفان على الخضوع المجاني.
آية تشرق في نفسك حين يطل الفجر؟
قوله تعالي:
{وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ}
هل في الخاطر حكاية صحفية صغيرة؟
بعد مقتل المناضل العالمي الذي قاتل في كل جبهات العالم ضد الإستعمار الجديد تشي جيفارا الذي وشى به أحد الرعاة وجسده الحافل بالرصاص مسجى، هرع الصحفيون إلى الراعي وسألوه لماذا وشيت به وهو الذي ظل كل حياته مدافعاً عن حقوقكم؟ فرد في بلاهة المغيبين عن الوعي والرافلين في ثياب الجهالة: وشيت به لأن صوت الرصاص من بنادقه كانت تزعج أغنامي!.
أبيات ما زالت في الذاكرة؟
كل ما استمعت لهؤلاء الأغبياء من الخونة والعملاء وهم يقبحون وجه السودان في القنوات الفضائية وعلى صفحات التواصل الإجتماعي دفاعاً عن دول الشر والسفاحين ومغتصبي بلادنا لقاء دراهم معدودات وقد ضخمت الآلة الإعلامية للممول اللئيم كلماتهم الجوفاء وصارت الكلمات الصادقة أدنى إنتشار ولكنها أكثر جسارة وحضوراً وتأثيراً تسقى قلوب العاشقين لهذه الأمة السودانية الصابرة بالكبرياء والإبتلاء نعم كل ما استمعت لهذه الكلاب المسعورة عزتني أبيات حكيم المعرة:
وَصَفَ الطائيَّ بالبُخْلِ مادِرٌ
وعَيّرَ قُسّاً بالفَهاهةِ باقِل
وقال السُّهى للشمس أنْتِ خَفِيّةٌ
وقال الدّجى يا صُبْحُ لونُكَ حائل
وطاوَلَتِ الأرضُ السّماءَ سَفاهَةً
وفاخَرَتِ الشُّهْبُ الحَصَى والجَنادل
فيا موْتُ زُرْ إنّ الحياةَ ذَميمَةٌ
ويا نَفْسُ جِدّي إنّ دهرَكِ هازِل
ماذا بقى من أنس الجامعة بعيداً عن السياسة؟
في كلية الآداب بعد أن شبعنا من القصيدة العمودية بكل ترفها ومدارسها كنا نهرب لِواذاً لقصيدة التفعيلة والقصيدة الحرة فنقرأ سراً خوفاً من الإنتقادات اللاذعة من البروفسير عبدالله الطيب والتي كان يرى أنها ضربٌ من النثر المصنوع، ولكن كل هذه الإنتقادات لم تمنعنا من قراءة السياب والماغوط ودرويش وصلاح أحمد إبراهيم والبرغوثي وصلاح عبدالصبور والتيجاني سعيد. وأكثر ما كان يستهوينا في هذا الشعر الصور الدرامية والتعريفات، ومما أحفظه لمريد تعريف للعلكة وفي العامية السودانية (اللُبانة) كان يُعرفها عليه الرحمة بمقطعه القصير الموحي ناقداً الراهن العربي
قالت العِلكَة:
أشعر بالضياع
ففي فم السياسي
أُصبِح بياناً هاماً
وفي الجريدة
أُصبح الأفتتاحية
وفي وعود العشّاق
أصبح تنميقاً للكذب
فقط في فم العاهرة
أحتفظ بصفاتي!
ماذا تقرأ هذه الأيام؟
أراجع قراءتي الأكاديمية في الفلسفة المعاصرة وشيوخها الكبار ديكارت وكَانْت وابن رشد ومحاولة تفسيرها عند المفكر العربي زكي نجيب محمود وأُطالع كتاب قذائف الحق لمحمد الغزالي المعاصر وإحياء علوم الدين للغزالي الكبير وديوان المتنبي ومذكرات منصور خالد والتفسير التوحيدي للترابي، وفق كل ذلك وقبله القرآن الكريم وفي ظلال القرآن للشهيد العبقري والمفكر سيد قطب وتستوقفني كلماته التي على قصرها تظل عبارته هذه أبلغ من كتاب في ألف ورقة إذ يقول: (إن كلماتنا تظل عرائس من الشمع، حتى إذا متنا في سبيلها، دبت فيها الروح، وكُتبت لها الحياة).
أما زال للأدب الشعبي في خاطرك أم أنه ذهب مع كل الذكريات الحبيبة في السودان؟
صحيح أنني قد توقفت عن كتابته منذ فترة وعن مطالعة قديمة عند أساطينه المؤسسين ولكن بقيت في الذاكرة مقاطع لا تنسى لود الرضي حين يقول:
يعانن توبتي في كامن فؤادي ويمحن
ﻭﺍﻟﺸﺎﻑ ﻓﺎﺗﻦ ﺟﻤﺎﻟﻦ ﻭﺇﻧﺘﺸﺎﺭﻥ ﻳﻤﺤﻦ
ﻗﻠﻮﺑاً ﻣﺎ اﻧﻜﻮﻥ ﺑﻲ ﻧﺎﺭ ﻏﺮﺍﻣﻦ ﻗﻤﺤﻦ
ﺍﻟﻠﻪ ﻳﻜﺒﺮﻥ ﺍﻟﻜﺒﺮﻧﻲ وسمحن
وأبيات عكير عن الأبيض الحبيبة الصامدة في وجه القهر والظلاميين في شجاعة تصادم أيام السقوط والإنهيار حين تباعد الأصدقاء وقل النصير
قول للأبيض حاجة ما تغشاها
لزمتك الأمانة الفي الضمير منشاها
وكت السنة وقعت وانكوت في حشاها
منو الغير شبابك درجها ومشّاها
ولمحمد شريف العباسي
للوزرة المعاك الليلة ماكَ مرفق
وجات حالك بلا الدغش البليبو يصفق
شن جابرك على الوادي الدبيبو يشفق
غير ريلاً وشيهو من الملاحة يدفق
وعندما غادر محمد الشريف وحاج المهدي كردفان مكرهين وهي في الخريف وكردفان في الخريف أجمل من (لُنْدُرة) قال حاج المهدي
فوق ضهر الأفج كوعو وبعيد من زورو
نحنا خترنا فى الوادى المحيف خورو
يا محمد شريف أنا مرضى باكر دورو
نوسر بى واتقسم دروب دكتورو
ومازال في الخاطر بيت الصادق ود آمنة حين سأله شيخ العرب عن عقار يشفي والدنيا خريف
قِليعات الرزق أصبح تعولن ماطرة
ومَحَريبن طلق ريحة الفلير والباترة
إن أمسيت تجيك أمات مقالعاً قاطرة
تلقى العافية من غير بنسلين ودكاترة
ولاننسي ود الشلهمة في البطانة:
سماكي زرقتو متل الطاجن الممسوح
ويتكل سحابك زي سطور اللوح
إتحليتي بي نسماً عطوره تفوح
وفيك ريحة دُعاشاتاً ترد الروح
خبر سعيد وأخير؟
سرق البغاة والجراد الصحراوي ألوان دارها ومطبعتها ونهبوا إذاعة المساء وأحرقوها وسرقوا القناة الفضائية بكامل استديوهاتها وسرقوا منزلنا العامر الذي شيدته من مر الأسى وليل الذكريات، سرقوا كل شئ فيه ويشهد الله أني اقتنيت كل قطعة فيه بوقفة وتدبر وذوق واختيار من كل بقاع الأرض في كل عاصمة زرتها، بددوا مكتبتي التي لا أجد في العمر فسحة لاقتناءها مرة أخرى وقد صدق صلاح أحمد إبراهيم حين قال بابتسامة حزينة حين حدثته بالإقتران من إحدي جميلات السودان فقال لي يا صديقي يا حسين: (لم يبق في العمر لبدايات جديدة).
ولكن رغم كل هذه المحن فإن الله يدخر لك في كثير من الأحيان فرحة ووميض في قلب العتمة فقد هاتفني أحد الأصدقاء الذين كلفتهم بنظافة القناة الفضائية بهاتف البشارة أنهم من بين الحطام وجدوا جهاز المكتبة وشرائطها ووثائقها كاملة غير منقوصة، جهدٌ من الصوت والصورة منذ عام 90 حتى أبريل 2023. وإني أعكف هذه الأيام لإطلاق إذاعة المساء وقناة أم درمان إذا وقف هارون الرشيد على حقنا في الإستدانة أو ارتفعت المصارف السودانية لمستوى الوعى فصارت تمول الثقافة والإعلام بجانب البصل والفحم والأسمنت والطلاء.

(نُشر الحوار بصحيفة ألوان – الخميس 1 يناير 2026