رأي ومقالات

الكربلائية السودانية في الذكرى السبعين

سبعون قصَّرت الخطى وجعلنني أمشي الهوينا ظالعا متعثراً ..
إذن يا جماعة الخير على حد قول هذا الشاعر إن عمر السبعين هو عمر العجز وعدم القدرة، وهذا يتطابق مع قوانين الخدمة المدنية في السودان سبعون هي سن المعاش الإجباري …ده كله برضو أحسن من قول شاعرنا العظيم محمد سعيد العباسي الذي بدأ اعتزال الحياة عند الخمسين وذلك في قوله:

يابنت عشرين والأيام مقبلة ماذا تريدين من موعود خمسين .. طيب ياشيخنا العباسي لو بقيت موعود سبعين تقول شنو ؟ نقول هذا واضعين في الاعتبار أن آخر ما يخرج من قلب الرجل هو حب النساء .. كما جاء في الأثر النبوي الشريف.

الذي أريده من كل هذه هو الرقم سبعين، فشبه المتفق عليه أنه خريف العمر بالنسبة للبني آدم، يعني زي حالتي دي، لكن نعمل شنو مع العكلتة وصغارة النفس والتشبث بالحياة …(بالله مشوها دي).

ولكن في حالة الأمم والشعوب فالأمر مختلف. فالسبعين هذه لا تسوي أي شيء، فأعمار الأمم تحسب بالآلاف لأن مكونات الأمة سلحفائية الحركة، في نشأتها وفي تطورها وفي فنائها، أما في حالة الدولة فالأمر مختلف، الدولة القطرية القائمة يؤرخ لنشأتها باتفاقية وستفاليا 1648 بين الدول الأوروبية، يعني أقدم دولة اليوم عمرها لم يبلغ الخمسة قرون، فهذا يعني بالنسبة للدولة السودانية القائمة الآن والتي بلغت من العمر 205 (1821- 2026) فإنها ما زالت طفلاً يحبو وهذا العمر غير المديد يقسم على أربعة حقب، وهي التركية والمهدية والاستعمارية والوطنية وهذه الأخيرة عمرها حتى اليوم سبعون عاما يعني هي الأطول؛ فالتركية من 1821 إلى 1885 والمهدية من 1885 إلى 1898 والاستعمارية 1898 إلى 1956، والحقبة الوطنية حتى الآن (1956 – 2026).

أكبر تغيير حدث لهذة الدولة الوطنية هو انشطارها في 2011 إلى دولتين ومازال سيف التشطير مسلطاً، وربنا يكضب الشينة.

إذن فهي دولة غير مستقرة، رغم ذلك احتفلنا يوم الخميس الماضي بمرور سبعين عاماً على ميلادها…ولكن الملاحظ في أنه في عيد الميلاد الأخير وربما الأعياد القليلة السابقة أن البعض أتخذ المناسبة فرصة للمناحة أو إن شئت لغة الشيعة اتخذوها كربلائية، فلطموا الخدود وشقوا الجيوب ونعوا دولة السودان، واعتبروها أن هذا يوم للحزن وتمثلوا قول الشاعر كامل الشناوي.. غناها فريد الأطرش:
(عدت يا يوم مولدي /عدت يا أيها الشقي/الصبا ضاع من يدي /وغزا الشيب مفرقي/ألا ليتك يا يوم مولدي /كنت يوما بلا غد )…والبعض أخذ يلعن في سنسفيل الاستقلال ويقول ليت أن الانجليز لم يخرجوا وليت آباء الاستقلال لم يولدوا ؛
في تقديري إن الحالتين، مؤشر سيء، فالحالة الكربلائية حالة يأس وإحباط، والحالة الثانية حالة ندم وحسرة، فاليأس والاحباط والندم والحسرة كلها حالات سالبة، وإذا سادت سوف تتجاوز تحطيم الأفراد إلى تحطيم الدولة والأمة، فلابد من التخلص منهما.

نعم حالة البلد صعبة شديد تبكي الخواجة… والحرب الجارية الآن لم تترك فرصة لغير الحزن والدموع، ولكن لابد من إيجاد طاقة إيجابية للخروج من هذه الحالة، لابد من فتح كوة للأمل، لا بل الأمل موجود والضو في آخر النفق موجود، يتمثل هذا في إصرار الشعب السوداني على الصمود، وهزيمة المعتدي وعدم الاستسلام للضغوط، ويجب أن نواصل الصمود لبناء البلاد، إن شاء الله نبدأ من الصفر .

الأسوأ والأخطر هو تمجيد العهد الاستعماري وصنع منه نوستالجيا جديدة، وقد يصل الأمر إلى المناداة بعودتة، حصل هذا على مستوى المفكرين الأفارقة، في قامة المفكر الكبير على المزروعي، هذة قصة سنعود إليها.

علينا أن ندرك أن ما نعاني منه الآن هو بسبب ذات الاستعمار الذي كان قبل يناير 1956 فهو ذات الاستعمار ولكن في ثوب جديد ونسخة جديدة.

إن عملية خروج المستعمر في يناير كانت عملية عظيمة وإن تمت سلماً، تبادل أعلام ووداع بالدموع، ولكن حدوث تدهور فيما بعد وفشل الدولة الوطنية ليست مسؤولية مَن قاموا بالاستقلال، فالفشل في الأجيال اللاحقة لأنها لم تدرك معنى الاستقلال الحقيقي، مثلما حدث في بلدان أخرى كالهند وكوريا والبرازيل وماليزيا ومصر والجزائر والمغرب وغانا، كلها دول الآن تنافس الدول العظمى في الاستقرار والتقدم، لأنها أدركت أن الاستقلال عملية شاملة وليست سياسية فقط،
فالنقف عند يوم الاستقلال ونمجدة، ونلعن سنسفيل الاستعمار حتى ولو ترك لنا مشروع الجزيرة والسكة الحديد وجامعة الخرطوم، لأنه ترك لنا خوازيق أكبر، ترك لنا تنمية غير متوازنة صنعت صراعاً بين المركز والأطراف، ترك لنا مشكلة الجنوب التي افترعها بقانون المناطق المقفولة، وترك لنا طائفية كبلتنا، ترك طبقة أفندية أنانية وتابعة فشلت في تجيير مؤسسات المستعمر لمصلحة الدولة الوطنية، ولنحاسب أنفسنا لماذا لم نجير المؤسسات التي تركها المستعمر لمصلحة الدولة الوطنية.

نعم الخريطة السودانية تمزقت ولكن الإنسان السوداني لم يتمزق، وهو اليوم أكثر وعياً، الطبيب والمهندس والعسكري و القانوني والمعلم والمحاسب والزراعي والبيطري و المفكر والمخطط والحرامي والفاسد السوداني اليوم لايقل عن العالمي فهو حتما سيعود لأرض السودان ويعمرها، فالدولة الوطنية الوستفالية السودانية رغم الاخفاق ورغم المَحَقة فإنها تركت ما يمكن أن يُبدأ منه أن يجعل السودان علماً بين الأمم .. ومن هنا نبدأ

د. عبد اللطيف البوني