صمت الأسافير .. حين يتكلم الفراغ

يسود هذه الأيام صمت غريب على الأسافير السودانية، كأنها دخلت في حالة نوم جماعي أو تأمل طويل.
بعد مرور اليوم الأول من العام الجديد، الذي صادف ذكرى استقلال السودان، لاحظت أن وتيرة النشر والتفاعل تراجعت بشكل لافت. لم تعد الصفحات تمتلئ كما كانت، ولا النقاشات تحتدم كما عهدناها، حتى الأحداث الكبيرة لم تعد تثير ذلك الضجيج المعتاد.
قُصفت مدن الأبيض ومروي وكنانة وعسلاية بمسيّرات المليشيا المتمردة الإرهابية، ومع ذلك لم نجد التفاعل الغاضب أو الحراك الافتراضي الذي كان يشتعل في مثل هذه المواقف. مرّ الأمر ببرود عجيب، وكأن الناس ألفوا المأساة حتى أصبحت جزءًا من يومياتهم. هل تعب الناس من الحرب؟ أم أن طول أمدها جعلهم يختارون الصمت بدلًا من الحديث؟
ربما نحن أمام حالة اكتئاب جماعي، أرهقت فيها النفوس وتراجع فيها الحلم إلى آخر الصف. هناك شعور باللاجدوى ينساب في أحاديث الناس، وفي ما يكتبون أو لا يكتبون.
قال محمد شكري: “على المرء أن يبقى مشغولًا للحد الذي يلهيه عن تعاسته.” وهنا يبدو أن السودانيين لم يعودوا مشغولين إلا بتفاصيل معاناتهم اليومية، فغابت الكتابة التي كانت ملاذًا، وخمدت المنصات التي كانت تعج بالحياة.
وقال غازي القصيبي في معنى قريب: “العمل لا يقتل مهما كان شاقًا، ولكن الفراغ يقتل أنبل ما في الإنسان.” وهو قول يصف تمامًا ما نراه اليوم، فراغ قاتل يبتلع الطاقات، ويكتم الأصوات، حتى غدت الأسافير مرآة لروح منهكة أكثر مما هي ساحة تفاعل.
ولعل ما كتبه ستيفان زفايغ في روايته «لاعب الشطرنج» هو التعبير الأدق عن هذه الحالة حين قال: “لم نتعرض لأي تعذيب جسدي، بل أسلمونا ببساطة إلى فراغ مطلق، ومن البديهي أن لا شيء في العالم يعذّب النفس البشرية أكثر من الفراغ.” فراغ ذهني ونفسي يحيط بنا من كل اتجاه، كأننا في عزلة صامتة لا يقطعها سوى أنين داخلي.
لكن، رغم هذا السكون، قد لا يكون الصمت كله موتًا. أحيانًا يكون فضيلةً نبيلة، انسحابًا مؤقتًا للتأمل، أو دعاءً صامتًا بأن تنجلي الغمّة. فربما تعود الكلمة حين تستعيد معناها، ويعود الصوت حين يصبح للقول هدف.
ويبقى السؤال مفتوحًا:
هل هو صمت اليأس؟
أم صمت التأمل؟
الأيام وحدها ستجيب.
عميد شرطة (م)
عمر محمد عثمان






