رأي ومقالات

بقرتك الخائف عليها !!

في آخر مقال قلنا إن الخطة الاستراتيجية لتنمية الثروة الحيوانية بإنشاء مدن الإنتاج الحيواني، والتي أعلنها الوزير المنصوري رغم ترحيبنا بها إلا أنه لابد من الإشارة للعقبات التي نرى أنه قد تقعد بها (ممكن تقول ترحيب مقرون بتحفظ) فهي أولا قائمة على رساميل ضخمة وسوق مفتوحة ضخمة، في الحالتين عول السيد الوزير على الخليج لدرجة أنه ذكر عدد الحجاج المتوقع في رؤية السعودية 2030.

تجارب المستثمرين الخليجيين في السودان كانت فاشلة بسبب الأوضاع في السودان، وثبت ذلك بالدليل العملي، فما الذي تغير حتى يعودوا للسودان، ثم ثانياً العلاقة بين دول الخليج والسودان متأرجحة وغير مستقرة، وفي دول العالم الثالث لم يتم الفصل بين الاقتصاد والسياسة؛ وثالثاً والأهم دول الخليج تعمل جاهدة في إقامة مدن الإنتاج الحيواني الخاصة بها ليس للاستهلاك المحلي بل للتصدير ، والبروف المنصوري هو أول من يقول بذلك لأنه صاحب تجربة ناجحة .. الإشارة هنا لشركة الروابي الإماراتية، والسعودية، مثلاً، والتي جعلت السيد الوزير يبدأ من أجلها مدن الإنتاج بولاية نهر النيل، لديها في هذا الشأن مشاريع كمشروع حفر الباطن ستقول للمشاريع السودانية (إنتي شن بتعرفي) هذا إذا قامت هذة المشاريع السودانية.

إذا كان ذلك كذلك فما هي (الدبارة)؟ أي ماهو الحل ؟ لحسن الحظ الحل موجود في نفس الاستراتيجية التي طرحها السيد الوزير .. وهنا تظهر لنا النشيشيبة ..أي المشاريع الصغيرة ..فقد ذكرت الاستراتيجية التي أعلنها السيد الوزير صغار المربين والأسر المنتجة… وهؤلاء علاقة السيد الوزير بهم قديمة وقبل توليه الوزارة ومازالت مستمرة، وهذه فرصة لسيادته بعد أن أصبح وزيراً أن يضع لهم برنامجاً تنفيذياً محدداً قابلاً للتنفيذ والقياس ولا يكتفي بالقول إنه سوف يطلب من البنوك أن تمولهم …(أكان على البنوك الشايفنها دي واطتم أصبحت) .. من ناحية شكلية ليت السيد الوزير أعطاهم نفس الحيز في حديثه للحيز الذي أعطاه لحلم المنشآت الكبيرة ..

نتفق مع السيد الوزير تماما أن الثروة الحيوانية يمكن أن تكون أول مخرج للبلاد من كبوتها الاقتصادية الواقعة فيها اليوم .. بعد خروج البترول وقبل دخول الذهب كان صادر الحيوان هو الرافد الأول للخزينة بالعملات الصعبة على قلتها، وكانت كلها من القطاع التقليدي يعني (الحالة دي بلا وضؤ) ثم الأهم أن صغار المربين أي أصحاب الزرائب وإن شئت قل الحظائر التقليدية، حول المدن وفي القرى الكبيرة والذين يصل عددهم إلى عشرات الآلاف، قاموا بجهد كبير في تطوير السلالات المحلية (كنانة والبطانة والنيلية) عن طريق التهجين و التلقيح الصناعي ونقل الأجنة، لقد ابتدعوا شكلاً متطوراً من الانتخاب الطبيعي، فيه مزج بين السلالات المحلية والمستوردة، والدليل على نجاحهم أنه قد اختفت كل الأبقار الحمراء الصغيرة وحلت محلها الأبقار السوداء و (البرقا) أسود بأبيض بلغة الشباب.. لقد رأيت بأم عيني أبقاراً مهجنة في هذه الزرائب وصلت إنتاجيتها خمسين رطلا في اليوم وهي (سودانية تهوى تور مهجن وود بلد) وإن شاء الله بجهود الدكاترة البيطريين سوف نصل المعدل العالمي قريباً..

هنا لابد من أن نذكر بالخير ناس المشروع القومي للقمح في السودان الذين وصلوا المعدل العالمي في مناخنا المداري هذا ، كذلك أغنام السعانين قد وجدت طريقها إلى تلك الزرائب وإن كانت معظم تجارب السعانين مازالت في مرحلة التربية المنزلية (غنماية غنمايتين) بالمناسبة إن أكبر نكبة اقتصادية وجهها الدعم السريع في حربه هذه كانت في قطاع الثروة الحيوانية إذ أن الأبقار التي أبادها تخلقت في سنوات عديدة ولا يمكن استعواضها إلا بمرور سنوات، لكن إن شاء الله الخبرة المكتسبة وتطور علم البيطرة يختصر هذه السنوات.

عودة إلى صغار المربين وإن لم ندهب عنهم بعيداً، فعلى الوزارة أن تبدأ وتبذل جهدها مع هؤلاء وذلك بتمويلهم بإنشاء صناديق خاصة بهم تدخل فيها البنوك إن كان بها باقي خير ، أو عن طريق مستثمرين محليين أو حتى أجانب، ولنا في الزراعة التعاقدية بإدرة طيبة سيرة حسنة، فلنسمها التربية التعاقدية .. لئن كانت الزراعة التعاقدية قد نجحت نجاحاً مذهلاً في تطوير الزراعة، هذا قبل محاربتها، فإن فرص نجاحها في تربية الحيوان أكبر ومخاطرها أقل لأن النبات ثابت والحيوان متحرك..

إن ربع الجهد الذي سوف يبذل في إنشاء تلك المدن المرتجاة لو بذل مع صغار المربين سوف يؤتي أكله في فترة زمنية قصيرة… كما أن كل العاهات التي واجهت الاستثمارات الضخمة لن تحدث هنا… لأن المواطن العادي أصبح شريكا كامل الدسم… وهو الذي يحمي ملكه بالعكاز… ومع المستثمر الصغير لن تستطيع آليات الدولة وناسها ممارسة الاستهبال الذي تمارسه على كبار المستثمرين الذين طفشتهم .. وستكون عندنا طبقة وسطى يغني عليها سرور .. وما أدراك ما الطبقة الوسطى وهذه قصة أخرى …

أما المجال الأكبر لتنمية الإنتاج الحيواني فهو عند المزارعين .. فمن أيسر الأمور هو إدخال الحيوان في الدورة الزراعية، وقد فطن الناس لذلك، ففي مشروع الجزيرة مثلا تم إقرار إدخال الحيوان في الدورة الزراعية، و تبعاً لذلك تم تغيير الدورة الزراعية من رباعية إلى خماسية، ونفذ ذلك على أرض الواقع في 1991 وجعل القصاد الخامس للحيوان… ومجمل مساحة هذا القصاد في الجزيرة 440 ألف فدان الجملة كتابة (أربعمائة وأربعون ألف فدان).. خمسة وثلاثين عاماً مضت وما زالت هذة المساحة معلقة… فلم يدخل الحيوان ولم ترجع الدورة إلى الرباعية، والحال هكذا قام المزارعون بزراعة هذا القصاد فزادوا بذلك مشكلة الري تعقيداً؛ ويبقى السؤال لماذا لم ينفذ هذا القرار الهام ؟ هل هي الامكانيات ؟ أم أن (الجماعة) لا يرغبون في رؤية البياطرة في مشروع الجزيرة ؟ إنه البعوعي …إن تكلفة تربية الحيوان في المشاريع الزراعية سوف تنخفض إلى النصف لوجود مخلفات المحصول.

في أيام النميري كان الدكتور سيد مرعي وزير الزراعة المصري في زيارة لمشروع الجزيرة فوجد أبقاراً محبوسات في زريبة والذباب فوقهن عامل حفلة …فسأل لماذا تفعلوا بهن هكذا ؟ فقيل له حتى لا تدخل حواشة القطن، فقال لهم طيب مالوا ما تدخل …أحسبوها، رطل القطن بكم ورطل اللبن بكم؟؟ … فيا سيادة الوزير إذهب غداً إلى بركات واطلب تنفيذ الدورة الخماسية هذه …ثم إن كان هناك ثمة مستثمرين محليين أو أجانب أو بنوك فوجههم إلى هذه المشاريع الزراعية …اما مناطق الزراعة المطرية سوف تعجبك في هذا الضرب من الاستثمار .. طالما الزراعة التعاقدية فتحت الطريق …وهنا تأتي أهمية الوزارة لتقوم بالجانب الفني لاسيما أن تقانات التربية الحيوانية بلغت شاوا بعيداً؛ والأهم هنا أن علم البيطرة سوف يتجلى فمدن الإنتاج الحيواني تحتاج تمريض بيطري فقط …أما الذي ندعو له يحتاج إلى دكاترة بيطرة …ومع كل هذا ولا أحد يمنعك من الحلم بمدن الإنتاج الحيواني الضخمة …

أخيرا وليس آخرا يابروف المنصوري قرب أضانك جاي، أكان مشيت بركات أعمل حسابك شديد، فبركات فيها البعوعي وهو أخطبوط له أرجل وأيدي داخل وخارج السودان وأنا ما بفسر وإنت ما تقصر …

د. عبد اللطيف البوني