إبراهيم شقلاوي يكتب: خبايا وأسرار 1000 يوم من حرب تقترب من نهاياتها

في اليوم الألف من حرب السودان، حين نتحدث عن “الخبايا والأسرار”، فإننا لا نعني الوقائع المحجوبة أو المعلومات السرية، بل تلك الطبقات التي لم تُعلن في البيانات، ولم تُقل في الخطب، وبقيت تعمل بصمت خلف الغرف المغلقة : كيف كُسب الوقت دون إعلان، كيف تآكل الخصم دون استعراض، كيف فشلت رهانات السياسة دون اعتراف، وكيف صمدت الدولة في لحظتها الحرجة دون أن تسقط.
في هذه المساحات تحديدًا، تكمن أسرار الألف يوم. اندلعت الحرب في 15 أبريل 2023 إثر محاولة انقلاب عسكري قادتها مليشيا الدعم السريع للاستيلاء على السلطة، بدعم إقليمي ودولي متفاوت، وبإسناد سياسي من قوى مدنية رأت أن عرقلة تنفيذ الاتفاق الإطاري يهدد طموحاتها في الحكم.
تلك القوى، التي ضاقت بإيقاع السياسة وتعقيداتها، اختارت القفز فوق المجتمع والدولة، والاحتماء ببندقية المليشيا لفرض مشروعها كأمر واقع. غير أن فشل الانقلاب، وما أعقبه من انفجار المواجهة المسلحة، كشف سريعًا أن السياسة حين تُختزل في القوة تتحول إلى وقود لحرب بلا أفق، وأن الرهان على السلاح لا ينتج دولة، بل يفتح أبواب الفوضى والخذلان.
في الساعات الأولى من اندلاع القتال، واجهت الدولة أخطر اختباراتها. كان الهدف ضرب القيادة وشل مركز القرار بعملية خاطفة. هنا برز دور الحرس الرئاسي، جنودًا وضباطًا، الذين صمدوا بثبات في وجه الهجوم المباغت وحموا رمزية الدولة وقيادة الجيش، وقدموا أرواحهم فداءً للوطن.
كانت تلك لحظة فاصلة منعت انهيار البلد، ومنحت الدولة فرصة التقاط أنفاسها وإعادة تنظيم الصفوف. التحية لمن قضوا نحبهم وهم يؤدون الواجب، والتحية لمن بقوا شهودًا. فالدولة لن تسقط ما دام هناك من يحرسها. بعد تجاوز الصدمة الأولى، دخلت الحرب طورها الأكثر تعقيدًا.
هنا تتجلى إحدى أهم خبايا هذه المعركة: إدارة الوقت كسلاح. فالجيش السوداني، مستندًا إلى خبرة تاريخية طويلة في التكتيك والمناورة، لم يندفع إلى معارك استنزاف عبثية، ولم يسعَ إلى نصر سريع للاستهلاك الإعلامي، بل اختار الصبر الاستراتيجي، امتص الضربات، أعاد الانتشار، وراكم المعرفة الميدانية، حتى صار الزمن يعمل لصالحه.
كان التراجع أحيانًا جزءًا من الخطة، وكان الصمت في كثير من اللحظات أبلغ من التصريحات، إلى أن نضجت شروط الانتقال من الدفاع الاضطراري إلى المبادرة المحسوبة. في المقابل، ومع انكشاف محدودية الخيار العسكري للمليشيا، سعت القوى السياسية التي راهنت عليها إلى إعادة تدوير خسارتها عبر بوابة السياسة.
فجاء إعلان أديس أبابا في يناير 2024 بين تنسيقية “تقدم” ومليشيا الدعم السريع محاولة لتحويل الفشل العسكري إلى شرعية سياسية. غير أن هذا المسار لم يصمد طويلًا، إذ انقسمت تلك القوى على نفسها، بين من ذهب إلى تأسيس سلطة موازية بالشراكة مع المليشيا في مناطق نفوذها، ومن اكتفى بلعب دور الداعم السياسي الدبلوماسي في المنابر الإقليمية والدولية.
بهذا الانقسام، لم تتفكك وحدتها فحسب، بل سقط خطابها في تناقض قانوني وأخلاقي ظاهر ، حين جرى استبدال مفهوم الدولة بتفاهمات السلاح، وتحولت السياسة من أداة بناء إلى غطاء للفوضى والعاملة والتخريب.
بينما كانت المؤامرات تُنسج خارج البلاد، كان الميدان في الداخل يعيد تشكيل نفسه ببطء وثبات. انتقل الجيش من مرحلة الصبر إلى المبادرة، وفتح محاور متعددة في كردفان، مطبقًا ذات التكتيكات التي حسمت معركة الخرطوم، والجزيرة، مع تطويرها بما يتناسب مع اتساع الجغرافيا وتعقيد مسرح العمليات. السيطرة الجوية، إسكات التشويش، تدمير منصات المسيّرات، وقطع طرق الإمداد، لم تكن عمليات منفصلة، بل حلقات في سلسلة واحدة تهدف إلى إنهاك الخصم وعزله، ثم دفعه إلى الانهيار من الداخل.
بيان الناطق الرسمي الصادر في 9 يناير 2026 كان توصيفًا لمرحلة متقدمة من الحسم العسكري . تدمير أكثر من 240 مركبة قتالية، وهلاك المئات من عناصر المليشيا، وطردها من مناطق واسعة في كردفان ودارفور، مؤشرات على انهيار بنيوي في القدرة القتالية والبشرية للمليشيا.
من المهم التوقف عند ما لم يسمّه البيان : المناطق الواسعة التي تم تطهيرها في كردفان ودارفور عقب انفتاح الجيش في سبعة محاور . هذا الصمت مقصود، ويمليه حساسية الميدان، لكنه في الوقت نفسه يفتح الباب لقراءة سياسية مفادها أن العمليات باتت شاملة ومفتوحة على كامل مسارح وجود المليشيا، خصوصًا مع استمرار حالة الهروب غربًا.
والأهم من ذلك، أن هذا التقدم للجيش تزامن مع انهيار صامت في الحواضن الإجتماعية ، حيث بدأت بيئات كانت داعمة أو مترددة في النأي بنفسها، وتوقفت مجموعات عن القتال، وفتحت قنوات تواصل مع القوات المسلحة، في مشهد يعكس تحول ميزان الشرعية من السلاح إلى الدولة.
إشارة البيان أيضا إلى استهداف الطرق التي كانت تستخدمها المليشيا للتمدد نحو الجنوب الليبي تحمل دلالة استراتيجية بالغة. فالمعركة هنا باتت حرب قطع إمداد وتجفيف موارد و سيطرة وتحكم . ومع المراقبة الجوية اللصيقة، يصبح أي تحرك هدفًا مشروعًا، ما يعني فعليًا خنق القدرة على المناورة أو إعادة التموضع وقطع كافة شبكات الاتصال.
إقليميًا، جاءت هذه التطورات متزامنة مع مقاربات في المواقف. فقد بات أمن السودان جزءًا من معادلة الاستقرار الإقليمي، وتبدلت نبرات كانت حتى وقت قريب رمادية أو ملتبسة. هذا التحول لم يكن تفصيلًا ثانويًا، بل منح مسار الحسم العسكري عمقًا سياسيًا، وقلّص قدرة الأطراف الداعمة للمليشيا على المناورة، وجعل كلفة استمرار الحرب أعلى من كلفة إنهائها.
تصريحات الرئيس البرهان الأخيرة، التي أكد فيها أن النصر أصبح قريبًا جدًا، يمكن قراءتها، كترجمة سياسية لمعطيات الميدان . فالقيادة في هذه المرحلة، لا تعلن نصرًا مؤجلًا، بل تهيئ الرأي العام لمرحلة ما بعد الحسم، حيث تنتقل الدولة من منطق الحرب إلى منطق إعادة البناء واستعادة النظام.
وفي قلب هذا المشهد، برزت قيادة الجيش، رمزية للصمود وإدارة المعركة بمنطق الدولة المنتصرة. فبين الانفتاح على المبادرات، والترحيب بالمساعي الإنسانية، ظل الموقف ثابتًا: لا تفاوض يشرعن السلاح، ولا دولة تُبنى تحت فوهة البندقية، ولا سلام يُفرض على حساب السيادة . بهذا الثبات، وبكثير من الصبر والدهاء، والحكمة جرى امتصاص الضغوط حتى تآكلت من تلقاء نفسها، وبقيت الدولة واقفة على قدميها.
ومع اقتراب الحرب من نهاياتها، وبحسب #وجه_الحقيقية لا يبدو النصر حدثًا فجائيًا ، بل نتيجة طبيعية لمسار طويل من التضحيات، وكسب الوقت، وإدارة الصراع بعقل الدولة لا بعصبية اللحظة. غير أن التحدي الأكبر يبدأ من هنا، من لحظة ما بعد الحسم، حيث لا يكفي إسكات البنادق ما لم يُفتح أفق سياسي جديد، يُعيد الاعتبار للإنسان، ويُرمم ما تهدّم، ويغلق الباب نهائيًا أمام الرهانات الخاسرة التي قادت السودان إلى ألف يوم من الدم والخراب، لنبدأ جميعآ وعيٍ منتبه لأجل كتابة فصل جديد من تاريخ البلاد.
إبراهيم شقلاوي
دمتم بخير وعافية.
الاحد 11 يناير 2026 م Shglawi55@gmail.com





