إسحق أحمد فضل الله يكتب: (نوبة رمضان)

إن لم يكن اسمك مستعارًا فجذرك ليبي، وأشهر أهل الثقافة هناك كان اسمه محمد فهمي خشيم. والرجل يؤلف قاموسًا يثبت أن أصل الهيروغليفية عربي، والقذافي يمنع الكتاب مجاملة لمصر…
لكن ما نريده الآن هو… ما الذي يقتل الإسلام؟
جذر المصيبة هو أن مشكلتنا هي أننا نأخذ حديث الشارح، ونترك النص المشروح.
ومن يشرح يقدم لنا الجنة بمقدار سعة أو ضيق فهمه، وليس بمقدار ما في الآية أو الحديث.
ومن يشرح نصوص القرآن عن المجتمع إنما يقدم إلينا سعة أو ضيق عقله هو،
ونحن نبقى مسجونين داخل أسوار عقل هذا الشارح، وسعة أو ضيق فهمه، ونعمي عن فضاء النص الواسع.
ونحن نسجن عالم الغيب، الذي لا يحده شيء، نسجنه بمقدار ما نراه من عالم الشهادة… وهكذا نلغيه تمامًا.
…….
وحجم البلاء هذا، والشعور القوي به، يُنتج الشافعي.
والشافعي ما يجعله مميزًا هو أنه يقول:
(الشروح خداع، مهما ظننا أن النص واضح…).
قال:
الآية تقول: (الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم).
وذهننا يذهب إلى صورة واحدة لجماعة واحدة من الناس،
بينما هناك ناس، وناس، وناس.
فالذين قالوا هذا للمؤمنين هم ناس،
والمؤمنون الذين تلقوا الحديث ناس،
والذين قالوا الحديث ناس.
إذن كلمة واحدة تبدو واضحة هي كلمة ليست واحدة وليست واضحة.
وكذلك النصوص كلها.
….
إذن، الذين يكتبون التفاسير، بهم من النقص ما يؤذي الإسلام.
وفهم العامة للغة شيء،
وفهم النصوص شيء آخر،
والظن لا يصلح.
ليأتي بعدها انتقال الزمان، والنصوص التي تنزل عليها،
ليأتي بعدها التخريب الذي وضع طبقات هائلة تغطي الفهم،
ليأتي بعدها الذين يقومون بكل خراب من المخلصين، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا.
و… و…
فهل يعني هذا أن نتخلى عن كل محاولة للفهم؟
الجواب هو… لا.
والطريق هو التعامل مع النصوص تعاملنا مع الأطباء…
…….
ومن لطيف الفهم والمغالطات قالوا إن المغني ابن جامع كان في حجرة استقبال هارون الرشيد، لما دخل الفقيه الضخم أبو يوسف.
وأبو يوسف تعجبه هيئة أبي جامع، ويحادثه، وابن جامع كان مثقفًا.
ولما افترقوا قال الناس:
أتدري من كنت تحادث؟
قال: لا…
قالوا: إنه ابن جامع المغني.
وفي اليوم التالي أبو يوسف يعرض عن ابن جامع، وهذا يصيح به:
يا أبا يوسف… أئن قيل لك ابن جامع المغني أعرضت؟
يا أبا يوسف أسألك… أرأيت إن جاءك أعرابي خشن وأنشدك:
يا دارَةَ ميَّةَ بالعلياء فالسند…
أكان عندك منكرًا؟
قال أبو يوسف: لا.
قال ابن جامع: أرأيت إن قلت أنا…
وابن جامع يطلق حنجرته المذهلة، يغني البيت ذاته.
ثم قال: يا أبا يوسف… هل زدت أنا شيئًا؟
فما الذي جعل صوت الأعرابي حلالًا، وجعل صوتي حرامًا؟
المجتمع الجديد ينتج أسئلته الجديدة.
وعن المغنين واللغة (واللغة هي ما يحكم على النصوص) قالوا:
ابن أبي شيخ لغوي لا يتسامح في الخطأ،
وفي مجلس فيه أبو شيخ تغني مغنية:
اظلوم أن مصابكم رجلًا…
وكانت رائعة، وجميع من في المجلس يموج من الطرب، إلا ابن أبي شيخ، ظل كأنه لم يسمع.
وأقبلوا عليه باللوم، والمغنية تقول:
لا تلوموه، فهو يظن أنني أخطأت لما نصبت لفظ (رجل).
ثم أقبلت عليه تقول:
ألم تسمع القرآن يقول على لسان امرأة إبراهيم عليه السلام:
(وهذا بعلي شيخًا).
قالوا… وهنا قام ابن أبي شيخ وأظهر الطرب… طربًا بأثر رجعي.
وما نريده هو أنه لا صاحب اللغة يعرفها كلها،
ولا صاحب التفسير،
ولا عبقري مثل أبي يوسف يعرف الإجابات كلها في المجتمعات التي تتجدد.
وكل عام والقرآن في أيديكم.
إسحق أحمد فضل الله






